الشاعر الليبي مفتاح العماري لـ(الزمان): دحرجت الثمار والكنوز إلي مخازن القصيدة


حاوره: عبد الدائم اكواص

لا يمكننا الحديث عن التجربة الشعرية في ليبيا دون الوقوف طويلاً عند تجربته، و لا يمكننا الكتابة عن منابع التجديد في الشعر الليبي من دون النهل من ماء تجربته، يعيش الشعر و لا يكتبه، ويسكن اللحظة قلباً وحبرا، ويلتحف الكلمات عباءة ًمشغولة بحرير المعني وذهب الموقف الذي لا يصدأ، هو ديك الجن الطرابلسي، وحطاب الأرض الوعرة، والرجل الذي يمشي بأسره وحيداً… وهو قبل كل ذلك الشاعر الليبي (مفتاح العماري).

 

* نعرف أن الشاعر/ مفتاح العماري بدأ في أوائل الثمانينيات بكتابة القصة القصيرة، فهل بدأ كتابة الشعر قبل ذلك أم أن القصة كانت هي البداية؟…. ولماذا لم تستمر في تجربتك القصصية؟

** بدأت علاقتي بالكتابة تحديداً في منتصف عشرية السبعينيات، لأنها ــ أي الكتابة ــ نسيج متداخل، تجاور اهتمامي بالشعر و السرد في آن ٍواحد، وفي ما بعد كنتُ أكثر افتناناً وشغفاً بالقصيدة، غير أن هاجس السرد ظلَّ يلازمني بين حين وآخر، فكتبتُ عدداً من القصص القصيرة ورواية واحدة، كذلك جربتُ كتابة أشكال فنية أخري تجمع بين أنساق فنية متنوعة، لعلك إذا قرأتَ (سيرة العطب)، ستكتشفُ شيئاً من هذا. أنا لم أتوقف عن كتابة السرد و إن كنتُ مقلاّ ً فيه تأليفاً و نشراً، قياساً بحظوظ القصيدة.

لم استأنس ببحور الخليل

* يذكر المطلعون علي تجربتك أنك بدأت كتابة الشعر بشكله الإيقاعي الموزون، لكنك اتجهت بعد ذلك إلي كتابة القصيدة اللاوزنية (قصيدة النثر) فهل هذا صحيح؟ وما أسباب ذلك؟

** لا أعتقد بأنّ هؤلاء من المطلعين علي تجربتي كما تزعم، لأنني ــ وإن حاولتُ في يوم ما دراسة العروض ــ لم أستأنس ببحور الخليل وطرائقه التي تشعرني بالضجر، فالشعر ليس ضرباً من النظم يعتمد الوزن والقافية… غير أنك فاجأتني بسؤال يشي بتقولات غريبة عن تجربتي، ولعل من يطلع علي سؤالك هذا يعتقد بأن ليبيا ما زالت مركونة في صحراء الخليل يغطيها غبار الخبب، بينما معظم ما يكتب من شعر ليبي يندرج ضمن خصائص قصيدة النثر.

* ما سر تكرار كلمة (الجندي) في معظم قصائدك؟

** الجندي هو الكائن الوحيد في هذا العالم الذي يختزل مفردات الفروسية متجاورة مع متناقضاتها، أي الخوف والغبن والخنوع والقهر والشجاعة والجريمة والكبرياء والضآلة، والتاريخ بأسره يمر عبر الأحذية الثقيلة والخوذات المعدنية كـ(تيمة) محورية في الحروب والهزائم والثورات والانقلابات العسكرية. الجندي كائن أكثر تعقيداً من تلك البساطة الظاهرة علي هيئته البائسة، فهو مُدوّنة حافلة بحكايات المجازر والحب وشعارات الموت والبطولات الخادعة، وهو أيضاً مواطن مغبون ينتظر نشوب معركة محتملة لينتهي دوره بعد الحرب ميتاً أو محطماً أو أسيراً أو كهلاً متقاعداً يتغذي علي ذاكرة مريضة، بعد أن قامت علي أنقاض حلمه الصغير الممالكُ والإمبراطورياتُ، و قُدّتْ من عظامه العروشُ، وسُكّتْ قصائدُ النصر، بينما يظلُّ هو دائماً الوحيد الذي يحرس فاكهة سواه، و يفترضُ بياضاً من وهم يرسم ظله عليه. ويكفي الآن أن نشير إلي عشرين جيشاً عربياً عاطلاً، حيث يتعذّر أن يتقدم جندي عربي واحد لإنقاذ قرط سقط من أذن جنين. هذا بعضٌ من سيرة الجندي الذي أعنيه، و لعل الحقيقة الغائبة عن معظم القراء هي أنني أمضيتُ قرابة عشرين عاماً في ثياب الجندي.

* في ديوانك (قيامة الرمل) تقول: (ولن يبقي أحدٌ/ إلا من كانت الشمس في قبضته/ الشمس والرغيف )…. ألا يبدو ذلك تفكيراً مادياً يحمل كثيراً من الإجحاف والقسوة مما قد يضر بمبني الشعر ومعناه وهدفه؟

** (قيامة الرمل) ديوان لأطول قصية نثر في تجربة الشعر الليبي المعاصر استفردتُ بمتنها، وقد كُتبت في منتصف عشرية الثمانينيات، فلا يليق هنا أن نجتزئ عبارة أو عبارتين من سياقه. ونحاكمهما بمعزل عن الكل، ولستُ أدري كيف تكون كائنات الشعر ــ كالشمس والرغيف ــ محض تفكير مادي كما تزعم في سؤالك، ثم ما هذه المفردات الخشنة التي تطلقها جزافاً ــ كالإجحاف القسوة والضرر بمبني الشعر ومعناه وهدفه ــ وكأنني متهم بتدبير انقلاب عسكري. أنصحك أن تعيد قراءة (قيامة الرمل) وأن تراجع سؤالك الذي يتعذر فهمه، فلسنا هنا إزاء صرامة علم الفلك وقانون المخابز!، بل إزاء رؤية شعرية تجترح الممكن كأفق محتمل لعالمها الخاص بها، وما الضرر في أن يجتمع البقاء مجسداً في الشمس والرغيف.

رجل بأسره يمشي وحيدا

* هناك من يقول بأن تجربة مفتاح العماري توقفت عند ديوانه (رجل بأسره يمشي وحيداً) وأنه لم يتطور بعد هذا الديوان ولم يأتِ بالجديد في ديوانيه الأخيرين (ديك الجن الطرابلسي) و(رحلة الشنفري)… فما هو ردُّك؟

** أظن بأنني قد تقدمتُ في هجوم بالغ القساوة لإنقاذ مرآة منسية قبل لحظات من سقوط غرناطة، ثم حشدتُ جيشاً من الأسري لصناعة بيت وحيد من الشعر الضال، ومازلت أحتفظ بالمرآة وبيت القصيدة بغض النظر عن سهو الآخرين وبلادة النقاد وخمول القراءة.

وبعد عشر سنوات من ظهور (رجل بأسره يمشي وحيداً) كان فمي هو الوحيد الذي قال: (المرأة مسافة الرجل) وفق المشيئة التي ارتآها (ديكُ الجن الطرابلسي) حيث استبانت أسرار الحروف من الياء صانع الريح واللام قرين الوتد، ثم يكفي أنني خلال (رحلة الشنفري) قد دحرجت الكثير من الثمار والكنوز إلي مخازن القصيدة، و إذا كان بعض المناكفين يقرأون الشعر بقفاهم من دون أن يتجرأ أحدهم علي كتابة رأيه صراحة فهذه ليست مشكلتي.

* هل تتفق ــ أم تختلف ــ مع الذين يقولون أن قصيدة النثر لم تضف شيئاً إلي الشعر العربي؟

** قصيدة النثر لها ما لها ، وعليها ما عليها، ولا يمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نكون مع أو ضد، فليست المسألة تشيّعاً أو تحزّباً، فقصيدة النثر كتجربة شعرية قد دخلت مدوّنة الشعر العربي المعاصر، وتُدرس في الجامعات والمعاهد العليا، وتُرجمت إلي العديد من اللغات، كما حظيت باحتفاء لم يحضَ به الشعر الكلاسيكي في أيامه الغابرة.

وعلينا هنا أن نتريث قبل إصدار الأحكام العشوائية، وإذا كانت قصيدة النثر محمولة بمشكلاتها وأسئلتها فهذا أمر طبيعي، لكن إزاء هكذا وجهة نظر تقرُّ بعدم الإضافة بعد قرابة أربعين سنة من عمر قصيدة النثر، لا يسعنا إلا أن نقول بأنها وجهة نظر مجانية، لأنه يكفي في الحد الأدني أن يوجد مجنون واحد يتذوق قصيدة النثر مقابل عشرة مجانين ينحازون لشعر التفعيلة أو العمودي لـنُدركَ أن الإضافة تكمن في تشكيل حساسية جديدة للذائقة والتقبل.

* القارئ لقصائدك يلاحظ بوضوح طغيان الأنا التي شكلت المحور الأساسي والصميمي الذي تدور حوله معظم قصائدك، ولا أعتقد أن ذلك كان عفوياً أو عن غير قصد، فما الذي حاولت أن تقوله أو أن تعبّر عنه من خلال ذلك؟

** علي الرغم من أنني لا أتفق كثيراً مع مصطلح الأنا ــ لأن ثمة ذات شاعرة ذائبة في محلول الكل، ومنصهرة في مادة الجماعة، ولا أتصور أن هناك إبداعاً فنياً أو أدبياً يمكن أن يتأسس خارج الذات ــ علي الرغم من ذلك أتمني أن تكون ملاحظتك حقيقة قائمة وليست وهماً، فأنا يبهجني جداً هذا الطغيان الجميل الذي يشي بأنني قد حققتُ نفسي، لأنني يا صديقي أنا موضوع ما أكتب، وإذا كانت الأنا قد شكلت فعلاً محوراً أساسياً و صميمياً تدور حوله معظم قصائدي ــ كما تقول ــ فهذا طموح كبير أنتظر في شغف لحظة تحققه.

ولا أعتقد أن القصدية ستكون موضوعاً لائقاً بلحظة الكتابة الشعرية التي تتسم بغموض يتعذّر شرحه، لأن القصيدة حالة مستقلة خارج الزمن الحسي، وبالتالي لا تخضع لأية شروط من خارجها أو لخطاطات وأفكار جاهزة .

* ما شجرة العائلة الشعرية التي ينتمي لها مفتاح العماري؟

** بي شغف خاص يراودني بين حين وآخر لقراءة القرآن الكريم، وأشعار (المتنبي)، و(لوتسو)، وروايات (كونديرا)، و(ماركيز)، وإذا كان بالضرورة ثمة عائلة صغيرة فلا بأس، حيث يمكنني الإشارة إلي (الخيام)، و(النفري)، وفي الشعر المعاصر الذي يستهويني تجربة (أنسي الحاج) التي تمثل تجربة جديرة بالتأمل.

خارج سباق النص

* في ديوانك رجل بأسره يمشي وحيداً) ترددت جملة (كل شيء في غاية الفساد الأبهة).. فما الذي حاولت أن تقوله من خلال هذه المعادلة الشعرية الفلسفية التي تحمل كثيراً من دلالات السهل الممتنع؟

** هذه العبارة وردت فقط في قصيدة (رجل بأسره يمشي وحيداً)، لستُ متحمساً الآن لتأويلها خارج سياق النص، لأنني لا أحتفظ بأية شروح إضافية للإشارات والأسماء، فهكذا سؤال يعزل العبارة عن نسيجها ولا أحب أن أكون في الموقع الذي يلزمني بتفسير مفردات قصيدتي علي هذا النحو، لا سيما وأن الكلمات تمثل حياة إضافية لها تشابكها مع أشياء عالمها، لذا لا أستمرئ توسيم الكلمات بطريقة قارة بدعوي انتسابها إلي فصيلة من المعاني والدلالات، فهذا الفعل متروك للقراء للتأويل.

* كيف تري مستقبل التجربة الشعرية عند الشعراء الشباب أو شعراء الجيل الجديد في ليبيا؟

** بالطبيعة سيكون المستقبل مشروطاً بتراكم الخبرة، فعندما يكون هناك شعر حقيقي فإنه حتماً سيبقي برغم كل المعوقات.

أما ما يثار الآن من إعلانات و يفط دعائية حول من يطلقون علي أنفسهم جيل (التسعينيات) فهي مجرد (بربكاندا) مجانية، ولغو متهافت، لأن البحث عن الاختلاف لن يكون بإطلاق الشعارات والبيانات الجوفاء، فقط يكون الاحتكام الرئيس للنصوص وحدها، وهنا لا بد من الإشارة إلي استثناءات طموحة في هذا الجيل، وأخص بالذكر (خالد درويش)، و(عبدالباسط أبوبكر محمد)، و(سعاد يونس) و(منصور العجالي)، و(صالح قادربوه)، و(جمال الجديد)، وإذا ما تعاطفنا مع هذه التجربة في شكلها العام فإننا سنكتفي مرحلياً بأهمية التراكم، وانتظار النص الأجمل

* وأخيراً … هل أنت (ديك الجن الطرابلسي)؟

** نعم … مع أنني في قرارة نفسي أستأنس كثيراً بصفة (رجل بأسره يمشي وحيداً).

جريدة (الزمان) العدد 1281 التاريخ 2002 – 8 – 8

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *