العماري لا يتعمد قول الشعر ولكنه يتنزّل عليه (2/2)

في هذا الجزء نكمل ما جاء في الكتابة السردية بعنوان «مفتاح الخيميائي» للكاتب عبدالله الماي حول تجربة الشاعر الليبي مفتاح العماري، وهي بمثابة شهادة يطعمها الماي بدراسة لنصوص الشاعر مشيرا إلى أنها أبيات لا تصح ترجمتها حيث ستفقد كثيرًا من معانيها، وأنها لغة ارتبط بها الشعر وارتهن لمدلولاتها:

«الموسيقى الصامتة والعميقة الدانية التي تتدلى من النص والتي تفوق الموسيقى الصاخبة والسطحية لا لأي سبب لا نجده لدى غيره، بل لأنه أخلص لموهبته وتفانى في معالجتها وتهذيبها ونأى بها عن التقليد والتشبّه، ويضاعف جهده من أجل غايته، فهو يبلل اللغة ويترك روحه ناشفة، ليس موهبته كامنة في ترصيع النص بالمفردات التي يستحدثها أو يشتقها بشق الأنفس، ولكن يظهر الجمال والذوق الرفيع في الفسيفساء النهائية للنص.

لقد اكتفى بنفسه، وبنفسه بنى قدراته الإبداعية على قلق ومن قلق «عصامية الإبداع» فميلاده الثاني كان من ضلعه الأيمن!
يخرج اللغة من إطار القولبة والجمود، ويذهب بها بعيدًا ليمنحها دلالات جديدة وصيغًا مختلفة لم تخطر على بال سابق، فتصبح حمّالة معاني لبلوغ قمة اللغة وذروة «المعنى = اللا معنى» بذا يكون الشعر هو سقف المعنى، والمعنى هو سقف اللغة، إنه يسقي اللغة أو يلتها بماء روحه كي تقول لنا إنها كائن يعيش معنا ينمو ويتمدد، بل يسعى بيننا.

دخل مكامن اللغة وتعهد بأن يفجرها كي يخرج طاقاتها الإبداعية وأقصى قواها الإيمائية، ويمنحها المذاق لتغمرنا بمتعتها الجمالية، وأن تدخل اللغة مغامرة معرفية مذهلة، أو يجنّس اللغة خالقًا هجينًا متجانسًا سواء من المعنى المتعالي أو المتواضع.
في الشعر الحقيقي كثير من المعنى المضمون يسبق قائله، قد يلحق به وقد لا يلحق «الشعر يسبق معناه» وهذا يرجع إلى أن الشاعر لا يتعمد قول الشعر ولكن الشعر يتنزّل على الشاعر.

شعر العماري لا تصح ترجمته حيث سيفقد كثيرًا كأي شعر بلغات العالم الأخرى، لأنه «شعر لغة» ارتبط بها وارتهن لمدلولاتها، الشعر دالة لغة واللغة حارس معنى، وكما يقول المثل «ترجمة الشعر خيانة».

اللغة الموازية للمعنى هي اللغة الجامدة التي لا تلتقي مع ما وصل إليه الفكر الإنساني، ومن الضمن أيضًا اللغة النامية، أسباب الإلهام والموحى، القصيدة حالة ذهنية في عقل المبدع، عندما يكون الشاعر في لحظة الخلق يزيد خياله اشتعالاً يتحدى المنطق ويتجاوزه، خيال تجيزه الحقيقة «منطق الشعر».

فن مغايرة المعنى لاستخلاص المختلف المتفرد، وفق الذائقة الممتعة «المنتجة» وليس المستمتعة «المستهلكة»، تنويع موارد إبداعه فعل لا إرادي، لقد مر بتجربة مميزه / مختلفة.

يزن كلماته بفنية ودقة، ويعايرها بلباقة محترف، يرفض أن يصنع تسوية ولا يخون موهبته يخالف الاتجاه السائد، يقاوم سلطة النص، يبدأ القول الشعري من الصعب الممكن، وينتهي عند السهل الممتنع، دون الخوف من خوض مغامرة التجديد والتمادي.
نجد أن له ما له منذ بداياته في مديح اللغة عندما تتعمق في اللغة تتعمق فيك، لقد داهمه الإلهام وأخذت تتخلق في رأسه قصيدة جديدة، لتتشكل فيما بعد، لينعش بها مخيلتنا ويمدنا بقوة تخيّل.

مفتاح العمّاري كشاعر جاد يترصد كل شاردة، ويتحين كل واردة فلا تضيع منه فرص الاقتناص أو التقفي وينتزع أنفاسه مما منحه له الله من حق في استنشاق هواء الحرية، يلمس ذلك المتتبع سيرته عن قرب وانتباه عندما نسائل النص في الحيز المتروك لاجتهاد المتلقي وتكون مقابض النص ظاهرة، مغاليق إلى أجل لا مسمى , وما تقع عليه أعيننا من أشباه أشباح, تزيد من تضليلنا، عند مفتتح النص تحديدًا، الشعر سؤال شاف أم إجابة محيّرة.

الإبداع ذلك التفاعل الذي يقع في دخيلته، لا يمكن أن يأتي بمثله أحد إلا هو، لذلك فبالتعبير الصحيح يكون الشعر لديه قراءة المتعة , وليس متعة القراءة! لا نقف أمام احتمالات معدودة أو محددة، لكن أمام احتمالات مفتوحة غير مغلقة، أنه كالعطار الذي يعطر أرواحنا بخلطاته المميزة كي يمنحنا رائحة زكية ومنعشة ومبهجة، في متسع من البال, بأخذ القصيدة إلى متنفس لها, إلى الأرحب، أجمل ما في الشعر بساطته، الحضور اللغوي والجهوزية تحاشيًا لذلك التعثر في صياغة الصورة والتقاط القبس قبل أن يتلاشى.

الشاعر طاغور وصف اللغة البنغالية بالسكر، نقف على إلغاء الفاصل الوهمي بين الشاعر والمتلقي عندما يتم التوغل في اللغة، وتظهر فتنتها تتحرر قدرات الروح المبدعة ويكون الشعر هو غواية اللغة في أرقى حالاته.

هذا مسح شمولي عام و(متعجل) لشاعرية مفتاح العمّاري كشاعر، عبر ما قرأت له من نصوص، وما تكون لدي من انطباعات تشكلت أفكارًا «انجذاب صوفي »، وصفي يميل –وليس بشكل كامل (جاد)– إلى النزعة التأملية، والتأويلية، هذا التجديد للغة يمنح الشعر شعرًا، لتصح معه كينونة اللغة وحيويتها، اللغة فهم وتفسير، ومن هنا تصبح اللغة أداة تفكير ومدعاة له قبل أن تكون وسيلة تعبير، مهما بلغت أهمية التعبير أو التفاهم.

______________________________

نشر بموقع بوابة الوسط

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *