العماري فتنته القصيدة.. فافتتن باللغة (2/1)

«مفتاح الخيميائي» كتابة سردية اقترحها الكاتب عبدالله الماي حول تجربة الشاعر الليبي مفتاح العماري، وهي بمثابة شهادة نطرح في الجزء الأول منها ما يصفه الماي بـ«اللياقة الشعرية» والجمع المتجانس بين المفردات «الأفعال والأسماء» في تجربة العماري الشعرية:

«أحس بالمتعة، عندما أكتب عن نصوص قد تجاوبت معها، لأنها استجابت لمقتضياتي، وهذا ما حدث معي هنا، مع الشاعر مفتاح العماري الذي نفخ من روحه في رميم اللغة فأحياها.

هذه اللغة التي تكهن بعض علماء اللغات بانقراضها، وجفاف معينها، لكن مثل هذا الناثر «شعرًا أو سردًا»، استطاع أن يبطل ادعاءات اللغويين أو نبوءاتهم ربما المغرضة، باعتبارها مكون هوياتي مستهدفًا، فأخرج لغة من ثوب ذات اللغة وأثبت أنَّ اللغة الحية هي التي تنتج مورثاتها ذاتيًّا وتحوي سر بقائها، ومنحها طعمًا جديدًا مغايرًا.

وهذا ما سهّل علينا الاكتشاف، أنَّ هذه المعايرة الدقيقة والجمع المتجانس بين المفردات «الأفعال والأسماء» لدى الشاعر مفتاح العمّاري الذي تحول قرض الشعر لديه إلى هدف أعلى في الحياة، ولايزال يعيش تدفقه الشعري وتتشكل لديه رؤى فقهيه وفلسفية «شطح صوفي» وما بعد المعنى.

وهو يلقي إكسيره على اللغة بقريحة فذة وبما أوتي من حس فنيّ «مترفّع / رفيع» ليحولها إلى شعر خالص، ولا تملك وأنت تقرأ قصائده وهي تهزّ جذع الذاكرة بطيب، إلا أن تصرخ بملء الدهشة مقلدًا أرشميدس :«يوريكا.. يوريكا» ويدفعك لأن تتفق مع الإغريق الذين دعوا قرض الشعر بـ«لغة الآلهة» .

كيمياء بطعوم ومذاقات لم نألفها من قبل، ولم نلتق بها خلف أسوار النار التي حالت فيما بيننا وبين اللغة توأم الذاكرة لكسر جمودها، وتسريع إيقاعها المضمر حين نعثر على هذه الميوعة واللدانة نعثر على هذا التطويع والتهذيب الذي أزال عن اللغة غشامتها، كمن يثني الخشب اليابس أو يلوي الحجر ليمنحنا مذاقًا جديدًا مميزًا، ويمنح القصيدة أناقة كاملة .

وهنا يكمن سر الإعجاز الإبداعي للعمّاري. هذا التفوق الذي لا نظير له في مشهدنا على الأقل في أخلاطه وعجنه وفرزه الدقيق للمفردة التي كنا نظن أن الابتدال قد نال منها كثيرًا إلى الحد الذي أصابها معه البياد وأصابنا معه اليأس، وقد حمل اللغة في صدره وهنا على وهن حتى أضحى صانع ديمومة وأثّال بقاء… بما قدمه للغة .

لم نشهده إلا في نصوص شبه مقدسة تنضح بالعرفان والبيان، نصوص عصية عن التقليد، إنه يعاير ما يمنحه النص من لذة مطلقة، لقد فتنته القصيدة فافتتن باللغة فهاتوا آذانكم وأسمعوه وهو يمارس واحدة من لياقاته الشعرية إذ يقول:
من هذه الموسيقى
التي يرتفع صداها الحالم
كهدية متواضعة
للمعلقات العظيمة
صنعت ربيعًا سخيًّا ..
وأطلقت راعيًّا فتيًّا يغنّي خلف شياهه
ولم أنتبه للذئب
وهو يصعد لاهثًا
خلف الكلمات البريئة .
***

بهذه البساطة العصيّة تكون القصيدة هي وردة الغيب والثعب هي وردة اللغة عندما نستوحي الوجود لنقبض على جدوة النص المطلق المترفع عن المباشرة والمجانية بأسلوب راقٍ ذي خزين معرفي هائل ومدخرات ثقافية متكاملة.
المعنى الجديد ضالة المبدع والشاعر ابن اللغة وأبوها، وهذا ما ينطبق على شعراء قلائل من شعراء العربية .

هل هو مَن استلهم المرأة؟ أم هي ملهمته ألهمته؟.. أنا رجل تفتحني أنثاي، أنا وليد أنثاي!
المرأة التي تفيض أمومة، وتفيض أنوثة إسهامه فيه دعوة إلى تأنيث العالم .. إلى تأنيث الزمان:
من هذه اللغة
التي تهطل من حلم الشوار
صنعت ريحًا جريئة
لكي اختفي بين مدينتين
بين امرأتين
من ملح وغبار..
وكنت أبعد من أثر
وأخف من خيال
***

الحياة تخصّب روح الشاعر التي حققت تباينها ولازالت تنشد الكثير، كي تمنحنا قصيدها، لقد انفلت من سطوة اللغة التقليدية المهترئة وتخلص من الارتهان لها وولّد لغته وقاموسه وتراكيبه وخلطته اللغوية، فهو دائم التصنت لوقع أقدام الزمن القادم، يحدد «أدغار آلان بو» الشعر بأنه «خلق إيقاعي للجمال»، ولمفتاح العمّاري إيقاعه المضمر والمتفرد».

___________________

نشر بموقع بوابة الوسط

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *