صورٌ كثيرةٌ للصداع

 

(1)

يبدأ رأسي من الداخل بطفولةٍ حارةٍ ،

يبدأ من النظرِ إلى الشارعِ الذي يمتد طويلاً عبر شراييني المتربة

من اليدِ التي تعبتْ من البكاءِ في سيدي عبد الجليل ، لهذا

اغتاب اللغةَ وأضع هذه الأحجار والديدان كطعمٍ لعصافير ذكية

ستغني في صباح ما ../

لكن ، وعلى الرغم من غطرسة صداعي المزمن

سأروي لكم كيف كان الليلُ في فايا لارجو يمضي ملطّخاً بالخوف والهزائم

وأن الجنودَ الذين كانوا معي تبعثرت أسماؤهم بين المدافن والثكنات

حكاياتٌ عظيمةٌ لم يبق من توقِها غير العناوين

رجالٌ جامحون استسلموا أخيراً لفخاخِ السكينة

لم يكن انتظارهم سوى فاصلة للموت .

صداع

**

سأروي لكم بعد قليل كيف كنتُ فتيّا أقشّرُ الصباحَ الطازج

منزوعا من قشرة الأرق

وخائفاً أحمي نفسي من لدغة الريح الباردة في كاتنزارو

قبل أن تنفتح جروحُ النهار

كيف أتذكّرُ بصعوبة أسماءَ أصدقائي

عندما كانت الضحكات تمطرُ بعيدا ،

أعني عندما انتهى الجراحون من استئصال مرحي

كيف كانت تبدو طرابلس من الداخل حين ضاعت حقيبة أحلامي

هذه المدينة التي قالت لي : سوف لن يجدك أحد وأنتَ تمشي

سأحدثكم بعد قليل عن أسوارها وأسواقها ومقاهيها وليلِها وحنينِها

عن غبارِ شوارعِها ، و بناتِها المشغولات بتنظيمِ حركةِ العواصف

عن كآبةِ نوافذها ، وشراشفها المبقعةِ بدماءِ الأحلام

عن حبيبتي موني التي انتظرتني كما لو كنت عيداً ../

سأحدثكم عنّي عندما كابدتُ وحدي غطرسةَ الموت

وكيف ظلتْ أوهامي تستغيثُ بمستقبلِها

كنت مخذولاً أنقّبُ عن رفاتِ صوري بين الحطام ..

أجل سأروي لكم بثلاثين طريقة أو أكثر الحكاية ذاتها التي

تعذّر عليّ قبل هذا اليوم تأثيث أنفاقها ،

عندما لم أجد ما أفعله سوى اللجوء عنوة إلى حبوبِ النوم

آه يا موني أين كانتْ هذه الرحمة التي تطفرُ من

أناملكِ كلّما تقرّحتْ مشاعري

(2)

ما من شيء عندي أخبئه ،

الأيامُ تغادرني مغرورة بنسائها ،

و طرابلس لديها ما يشغلها عن دعوتي مع من عادوا ،

أورامي فخاخٌ ، وأحذيتي تفقد بهجتها .

لا شيء عندي…..

أفتحُ نافذتي كمحاولة لتذكّر مستقبل هذا الشارع

قبل أن تذبل عروق لغتي

لعلّي أستعيد زهرة أو أغنية أو شجرة تصلحُ لترتيق كآبة قميصي .

لعلّي أجد ما أقوله لطفلتي قبل النوم،

لكن مَا مِن شيء عندي أخبئه /

فقط أبتسمُ في بلاهةٍ

و أنسى أين وضعت نظارتي .

(3)

أحياناً

أحاولُ تأجيلَ النومِ خشيةَ أن تتبقّعَ أحلامي، بحزنٍ كبير

وبخيبة أكبر تتكرر الحكايةُ نفسها ،

كل يوم أجد ضرورةً أجمل للموتِ دون أن تراني حبيبتي ،

الموت نظيفاً وقد حلقتُ ذقني وتعطرتُ بزيتِ المسك

الموت ، ممدداً كرفاتِ شجرةٍ في صحراء مهجورة

بعد أن فقدت شهية إيقاظ المستقبل ، وقراءة الصحف

والسؤال عن الغائبين .

أيضاً لا شيء يُطرب ، أو عواصم سخية تدعوني لعرس الخيال

لا شيء يُمكن الاحتفاظ به غير الألم .

خارج الصور

حيث لا مكان يمكن وصفه ،

ما مِن وسادة أحضنها أو باباً أحرصُ على إقفاله بعد منتصف الليل ،

أو حلماً أستمتعُ بروايته وأنا أحتسي قهوة الصباح .

(4)

لكم يبدو الكلامُ ساكناً وأنا أحاولُ التملّص من غيابي

والتربّص بكلماتٍ قارضةٍ لا تحتمل حشوَ الخيالِ بترهاتِ المستقبل

كلمات كافرة بهندسةِ الحدائق وتشذيبِ القلق /

غير أنني سأتشبث بخفائي كلما تعقّب الآخرون شبهةَ عزلتي

لن أنتظر المزيدَ من الهواتف والغيومِ العالقةِ بسماء تبتعد

عن أمنيات عشاقها المؤمنين بقراءة النجوم ./

كل يوم يعرضون أخباراً طازجةً عن عواصف الربيع العربي /

كل يوم لا أرى ذاك الجندي اليافع ،

وهو يصعدُ إليكَ أيُها الجبلُ الأخضرُ ، كَمْ غدوت بعيدا …

أين كأسي أيها الباسل، وأصدقائي القدامى قبل اكتشاف الانترنت

أصدقائي الأطول عمراً من خريف البطريرك

الذين لم أعد أراهم كيفما كانوا

لقد تبدّلت خرائطُ الشعر وأغلقت دورُ العرض

ولم تعد أمي تمشي على قدميها لكي تتفقّد

بكرَها العائد من الحرب بلغة مبتورة .

وأغنيات فيروز الأثيرة ، أمست لا تُطاق ،

كأن الجنة طردت أُذني خارج ملائكتها ،

البحرُ لم يعد كبيراً كما أرى

ولا السماءُ البعيدةُ بريئةٌ من شبهة عيني

” خذيني أيتها الذئبةُ من فمي ” حياةً أخرى

لا أريد هاتين العينين بلا قمر مندّى ،

قد جَفَّ قلبي .

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *