شيشنق وهيكل وصراصير كافكا

محمد حسنين هيكل
محمد حسنين هيكل

هل من الحكمة اعتبار تصريحات هيكل محض ترهات تصدر عن عجوز خرف ، وأن ما انطوت عليه من نوايا لا تعدو عن كونها شطحات عابرة و غير مسؤولة، ومن ثم فأن نبرة السخرية والتبسيط – هنا – قد تتواطأ مع عواطفها،وتلوي عنق الحقيقة وتمسخ المعلومة على غرار ما حدث مع الكائن سيء الطالع، المدعو (غريغور سامشا) الذي تحوّل من بني آدم إلى هيئة صرصار كريه، في رواية ” المسخ ” لكافكا. جلّ ما نخشاه على هامش هذه الادعاءات الهيكلية، أن تغفلَ أدواتُ القراءةِ ما تقتضيه مثل هذه التصريحات من نظرة عقلانية ومراجعة واعية، ليس لتصريح هيكل فحسب بل لما سبقه ورافقه من تلميحات ومزاعم تحذو الحذو ذاته. ولعله بجدر بنا هنا استعادة العديد من العناوين الإخبارية والتي من بينها تنبيهات أو تحذيرات الحكومة البريطانية لمصر ، ومطالبتها باحترام الحدود الإقليمية الليبية..

كذلك ما نقلته أو نشرته صحيفة الديار اللبنانية من أنباء حول تصريحات مزعومة لرئيس الحكومة المصرية، معطوفة على ما يضمره كلام هيكل من أطماع تشير إلى نفط برقة، وأن برقة جزء من الإقليم المصري. أن مثل هذه التصريحات سواء كانت معقولة أم عبثية، جادة أم هازلة، في كل الأحوال لا يمكن المرور بمحاذاتها مرورا عابرا. وإضافة إلى هذه التصريحات التي وصفت بالخرف واللامعقولية، ثمة أنباء شبيهة ووقائع مريبة، غالبا ما تمرق خلسة ثم ما تلبث أن تخمد جعجعتها ويخفت ضجيجها، أو يُغض النظر عنها، كأنما ثمة توازنات إعلامية مريبة، هي من تُملي تراتبية الحدث الإعلامي وصناعة الأخبار السياسية وتحديد أولوياتها. وأننا إذا ما نظرنا لهكذا تصريحات تبعا لردّات الفعل التهكمية، أخشى أن نغدو مثل الأطرش في الزفة، خاصة عندما ينبري البعض للرد على هيكل عبر الاتكاء على وثائق ومدونات تاريخية، لبرهنة أن الليبيين هم من حكموا مصر قبل ألفين وسبعمائة وخمسين سنة، عندما اعتلى شيشنق الليبي عرش مصر، وتلاه حكم الأسرة الليبية لأكثر من مائتي سنة. و على الرغم من مصداقية هذه المعلومة التاريخية، إلا أنها كما تبدو للوهلة، قد طُرحت جزافا خارج سياقها المعرفيّ، حين نحاول تذكير المصريين بأننا نحن من حكمناهم في يوم ما، وأن القبائل الليبية، تنتشر الآن في غرب الإقليم المصري للتلميح بأن ليبيا هي من لديها الحق في استعادة قطاعات هائلة من الأراضي المصرية قد تشمل، إضافة إلى منطقة مطروح، (العالمين) و (سيدي البراني ) وربما ( العمرية ) التي تقع على تخوم مدينة الإسكندرية. مثل هذه الحجج والبراهين التاريخية لا تلامس في حقيقة الأمر مأزق اللحظة، لأنها تصدر عن ردّات فعل عاطفية متسرعة، وهي بقدر ما تلجأ إلى مرجعية البرهان التاريخي، نجدها في الوقت ذاته تنأى كثيرا عن مقتضيات وحيثيات وتوترات لحظتها، ومرجعياتها السياسية، وقضايا الواقع المعاصر وتشابكات أحداثه المتسارعة و المعقّدة التي أفضت بمثل هكذا تصريحات مقيتة، استفزت المواطن الليبي وحكومته ، سواء تلك التي صدرت عن هيكل أو ما نسبته صحيفة الديار اللبنانية لرئيس الحكومة المصرية. وأنها بذلك تخلق بوناً هائلاً ومسافة شاسعة بينها وبين الحدث، كتلك المسافة التي تفصل شيشنق الليبي، عن الشيخ هيكل المصري. وهي بهكذا خطاب، تضيف مزيدا من التعقيد إزاء هذا التبسيط لنوايا الشيخ هيكل، والذي لا أظن بأنه ينظر فقط إلى برقة بعين فلاح مصري ضاقت به أرض النيل، فأمسى يطمع في زراعة المانجا المصرية بنكهة النفط الليبي . بل أن زاوية نظر الشيخ هيكل هنا، تثير العديد من الشكوك والارتيابات، بحيث لا يليق بنا أن نهمل بأن الرجل متورط في فخاخ مؤامرة كبرى، ليؤدي دورا مريبا حين يروز إقليم برقة بعين المخبر وميزان الصيرفي ، كخطوة أولى، تُمهد لإثارة بعض الضجيج الإعلامي – كما يحدث الآن عبر العديد من المنابر المقروءة والبصرية – .. وهذا يكفي مرحليا، الى أن يأتي الحين الذي يتولى فيه من وراء هذه اللعبة الماكرة، ترتيب الخطوات التالية. بحيث لا نستبعد بأن هناك من يحاول تصدير أزمته، أو البحث عن حلول لاختناقاته الاقتصادية ومشاكل فقره وتخلّفه عبر الاستيلاء على جزء من إقليمنا الغني بالنفط والخيرات. ثم لا ننسى بأن هناك سياسات دولية ومخططات وبرامج تندرج في إعادة تخريط تضاريس الشرق الأوسط، ليس خدمة لاستقرار الأمن والاقتصاد الإسرائيليين فحسب، بل تندرج أيضا ضمن آليات منظومة العالم الجديد، و منهاج اقتصاديات سوق العولمة، كأفق منتظر تحدّد خرائطه وإستراتيجيته شركاتٌ عالميةٌ كُبرى – هي من ترسم سياسات عالمنا – وذلك خدمة لمخططات تسعى إلى استغلال مقدرات ومكتسبات الشرق الأوسط في السوق العالمية، كثروات نفطية وبشرية وطبيعية. لهذا وذاك فأنا كمواطن ليبي لست مع القائلين أو الآخذين بهذه التأويلات التي تعزو كلام هيكل إلى عوامل خرف الشيخوخة، وتكتفي فقط بإدراجها في خانة الخبل والكذب والافتراء . ولا أظن كما ذهب البعض بأن الشيخ هيكل ينطلق في ادعاءاته من هذا الحيز الذي يسبغ عليه براءة لا يستحقها، ويعفيه من مغبة المسؤولية القانونية والأدبية، التي تجعله في موقع الشبهة، شبهة الادعاء، وشبهة دوره المريب في هذه السيناريو الغامض. فلو سلمنا حقا بأن الرجل بعد هذه المسيرة الطويلة من الخبرة المتراكمة والمهنية الصحفية قد بدأ يخرّف.. فأننا بذلك قد نعفيه من أي اتهام ، طالما ليس على المخبول حرج. لكن وعبر مراجعة متأنية لتاريخه الواضح والخفي، وعلاقاته المعلنة والسرية، المشبوهة وغير المشبوهة، يقتضي الأمر حينها أن نُولي هذه المسألة قدرا من الجدية تنسجم مع ما تنطوي عليه من خطورة. ومن ثم قد لا يُعد التخريفُ تخريفاً، لحظة أن نفاجأ بعد حين، بأن تصريحات هيكل قد تندرج ضمن برامج التمهيد لإرساء وتكريس سياسات غاية في المكر والدهاء.. وبالتالي فأن هكذا ردود فعل متسرعة، على تصريحات هيكل وما شابهها من تلميحات مريبة، تكون قد عبرت عن استيائها واحتجاجها واستنكارها تبعا لسجية عواطفها، من دون أن تُخْضِعَ مقروئها لآلةٍ معرفيةٍ متأنيةٍ تأخذُ في حسبانها العديد من الشروط والمعطيات التي تمكنها من تحليل واستنتاج ما يصدر من تصريحات ومزاعم تشي بنوايا ماكرة، وأطماع خبيثة، إذ يتوجّب علينا قبل أن نُصْدِر أحكامنا المتسرعة النظر إلى عدة معطيات من بينها اختيار التوقيت الذي ظهرت فيه هذه التصريحات،وأن لا نُهمل لحظتنا العربية المتوترة، وبصورة خاصة ما يحدث في دول الجوار من احتقانات وتقلّبات، وأن ننظر إلى اختناقاتها الاقتصادية الطاحنة وما يعانيه مواطنوها من شحّ فادح في سبل ووسائل المعيشة اليومية. في مصر مثلا، نجد المواطن الذي ينحدر من الطبقات الفقيرة والمعدمة وبعد سنتين من انتفاضة 25 يناير المصرية عاجزاً عن تدبير الحدّ الأدنى من قوت يومه ، هذا ناهيك عن هشاشة الدولة والانفلات الأمني والمشكلات القائمة على صعيد عقائدي وحزبي وطائفي، وهيمنة (الإخوان المسلمين ) على سدّة الحكم في ظروف سيئة وغير مهيأة لاستقرار الدولة.. إضافة إلى انتشار الأمية والبطالة وتفشي الأمراض والفقر وغياب الحوار بين الفرقاء من تكتلات سياسية ودينية، ومؤسسات مجتمع مدني. يحتمل هذا السياق وبقوة أن نشير أيضا إلى عدة نقاط، بقدر ما تبدو للوهلة الأولى متباعدة ومفارقة، إلا أنها في جوهرها تنصب في صلب هذه المسألة المعقدة.. نشير هنا إلى سيل التدفق المتزايد والمستمر للمصريين عبر منافذنا البرية والبحرية والجوية، ومعظمهم يدخل بطرق غير مشروعة، مخالفا لأبسط القوانين والتشريعات والأعراف الدولية المعمول بها في التنقل بين البلدان، من دون تأشيرات أو بتأشيرات مزوّرة، ناهيك عن أن عديدهم قد ثَبُت إصابتهم بفيروسات وأوبئة مرضية معدية، حسب المعلومات الواردة من سلطات مطار بنينا.. كذلك نشير الى خروقات مراكب الصيد المصرية لمياهنا الاقليمية، ونشير في الوقت عينه إلى تصاعد عمليات العنف والإرهاب في مناطق الشرق الليبي، وبصورة خاصة في مدينة بنغازي، كذلك إلى إعلان بعض الدول الغربية عن عزمها في سحب رعاياها من مدينة بنغازي والتي بدأت بإعلان الخارجية البريطانية، ومن بعد حذت حذوها دولٌ أخرى مثل ألمانيا وهولندا واستراليا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية. نشير أيضا إلى المؤتمر الصحفي الذي جمع في القاهرة – الخميس الماضي – كل من رئيس المؤتمر الوطني العام الدكتور محمد المقريف، والرئيس المصري ، محمد مرسي ..حيث تعهّد الأخير بأن حكومة دولته ستعالج ملف المطلوبين للعدالة من الليبيين المتواجدين في مصر تبعا للقوانين والتشريعات الدستورية المعمول بها في البلدين. ألا يحق لنا هنا أن نتساءل عن السر وراء هذه المماطلة المصرية في تسليم المشتبه بهم من الليبيين المتواجدين في مصر إلى السلطات الليبية. فإذا كانت دولة مصر في عهد الطاغية القذافي قد سارعت بتسليم المناضلين والشرفاء الليبيين إلى الجلادين من المخابرات الليبية عبر صفقات لا تقل شبهة عن تصريحات الشيخ هيكل، مثل ما حدث مع منصور الكيخيا، وجاب الله مطر، وغيرهما من المغدورين الذين تم بيعهم للقذافي بأساليب مريبة. بينما تتريث الآن، وتماطل وتتأنى وتتمهل أكثر مما ينبغي حين يتعّلق الأمر بتسليم المطلوبين للعدالة الذين أجرموا في حق الليبيين الأحرار وثورة 17 فبراير. هل يمكن أن نُدرج ذلك في إطار النوايا الحسنة ورغبة التعاون الصادقة التي طالما تكررت نبرتها الإنشائية كظاهرة صوتية، حتى حفظناها عن ظهر قلب . إزاء هذه النقاط جميعا يمكن وضع أكثر من علامة استفهام ؟ فلا التصريحات التي يزعم بأنها خرفة و غير مسؤولة، ولا تصاعد جرائم الإرهاب الغامضة والمجهولة الهوية في بنغازي، ولا تدفق سيول الوافدين المصريبن بهذا الشكل المهول والمخالف في معظمه للتشريعات الدولية والوطنية، ولا إعلان بعض الدول الأوربية عن سحب رعاياها من بنغازي، ولا تعهدات الحكومة المصرية بمعالجة ملف المطلوبين للمحاكم الليبية..كل هذه الوقائع والمؤشرات لا تدعو للطمأنينة ولا تبشر بالخير. فليبيا شعبا وثورة مازالت في طور الأنتقال من الثورة الى الدولة، وما زالت تداوي جراحها، ولم تشهد بعد الحد الأدنى من استقرار أمنها وبناء دولتها المأمولة، أو حتى الوصول إلى تخريجة ممكنة لمعضلة لجنة الستين، كهيئة تأسيسية للدستور الليبي المرتقب. هذا ناهيك عن ما تشي به المخاطر الحدودية الجنوبية ولا سيما بعد تفاقم الاضطرابات المسلحة في مالي وما قد يتمخض عن حربها الغامضة من تداعيات تمس وتهدد أمن ليبيا والليبيين. أجل، أن المسالة هنا – بقضها وقضيضها – تتعلّق تحديدا بأمن وطن بأسره. وتهدد كيانا وهوية، بحيث تقتضي الضرورة التعامل مع هكذا تصريحات مقرفة ومريبة بكثير من الحيطة والاحتراز والتفطن، ومحاذرة مغبّة ما يحاك ضدنا – سراً وعلانية – من مؤامرات خسيسة، وأطماع أكثر خسّة.

حفظ الله ليبيا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *