الشعب يريد.. الوطن بلا وَثَنْ

 

بعد رحلة غبن طويلة تشظت خلالها سبل غربة الليبيين داخل البلاد وخارجها، ها هي ليبيا أخيرا خارطة حرّة بلون الدم وضخامة المكابدة.. تُبعث من جديد بأناشيد وأعلام،وهتافات تمجّد الوطن لا الوثن. هاهي الشوارع تضج بالمتظاهرين والمعتصمين بين محتفلين ومحتجين، كل يتوق الى ليبياه الجديدة حرة أبية، وان تعددت الأسماء والعناوين والشعارات والرموز.. فلا ضير مرحليا من تمهلات صبورة ازاء هذا المخاض الذي يجمع بين الحرية والفوضى، الى الحد الذي يخلط فيه بين القيم النبيلة والانفلات، فها هم جميعا مواطنو هذا البلد يعبرون عن توقهم واحلامهم ورؤاهم، كل يريد ليبيا تبعا لتصوره وهواه، السلفيون يريدونها سلفية والإخوان اخوانية والعلمانيون علمانية والفيدراليون فيدارلية،والعشوائيون يطلقون الحبل على غارب العشوائية، يبغونها ارضا مباحة يعيتون فيها نهبا وسلبا وتحايلا وفوضى دونما رادع.

ثورة 17 فبراير

هكذا تعددت السبل والمرجعيات والايديولوجيات، والمشارب والمسارب، وتراكمت المطالب والمقالب، وتنوعت الحسنات والمثالب، وهلّم جرا، حتى أنه لا غرابة في هذا الخضم اذا ما تظاهر الحشاشون والخمارون للمطالبة بنظام حكومة الكازينو، وجاهر المتبطلون والكسالى بحكومة ضمان اجتماعي، تدفع الرواتب والعطايا والهبات، وتؤمن السكن والقروض والسيارت وتكاليف الزواح ونفقات الطلاق، بل وحتى خراف عيد الأضحى، ورحلات الترف والاستجمام مجانا،كما لا غرابة ان ارادها اللصوص والسراق والمرتزقة محض بقرة حلوب، ولا غرابة أيضا ان عجّلت معاول المتزمتين بهدم الأضرحة وصالونات التجميل وقاعات العرض والأعراس، وبالمثل لا غرابة ازاء تلك الأولويات – والتي كما يبدو تندرج من بين استراتيجيات – أجندة المتشددين والمتطرفين عندما أجّلوا مسألة استتباب الأمن،ريثما ينتهون من تعميم ارتداء الحجاب والنقاب والجلباب والتفنن في اللحى وكسر الأسنان وما شاكل من مظاهر التدين والايمان. هذه هي ليبيا كما يريدها بعض شيوخ الفضائيات، وديكة السيرك من ساسةٍ ونشطاء وسدنةِ حكمة وتكنوقراط وتجارِ كلام وسماسرةِ لغو وجهابذةِ فتنة. هذه ليبيا أيّها السادة التي يأمل الوطنيون الشرفاء والأحرار المخلصون، أن تكون حاضنة حرية وسلام وراعية أمن وطمأنينة.. ضجيج من فسيفساء غريبة ومتناقضة ومتنافرة : الوطنيون والثوار البواسل والمخلصون والأحرار، ليبيون / الجهويون والقبليون والخونة والعملاء والمتسلقون والمندسون والمجرمون والثوار المزيفون، هم أيضا ليبيون / من توطّن بصبر داخل سياج القهر، او من اختار مكابدة الغربة، ليبيون / السفسطائيون والمهذارون والمهرجون من ابطال الكلام وحلبات الفضائيات المشبوهة وغير المشبوهة ليبيون / التكنوقراط والنشطاء والألكترونيون والورقيون ليبيون / من تقدموا ومن تأخروا ومن ركنوا لمناطق السهو والرماد ليبيون / المتفائلون والمتشائمون والمتشائلون، ليبيون / من قاتلوا في الجبهات أو في حلبات التلفزيون ليبيون / من كسروا حاجز الخوف بأصواتهم ودمائهم وقدموا التضحيات الجسام، ليبيون / من أرتعدوا وخافوا وجبنوا وارتبكوا وصمتوا وناموا، ليبيون / من انشقوا وانبطحوا ومن ظلوا بَيْنَ بَيْن، ليبيون / من جهروا بعصيانهم وتمردهم على الطاغية، أو من انكمشوا داخل اصدافهم وقواقعهم وغرف نومهم، ليبيون / الأثريا والفقراء ومن توسط الأثنين، ليبيون، المتعلمون والمثقفون والجهلة والأميون، ليبيون / الطيبون والمتسامحون واللطفاءوالخبثاء والمبغضون، ليبيون / العفيفون والنبيلون والحليمون والأوفياء والجشعون والجاحدون والساقطون السفلة، ليبيون / الأذكياء والشطار والصعاليك واللصوص والحمقى والأغبياء ونهّازو الفرص والسوانح، ليبيون / عقلاء ومجانين، ملائكة وشياطين، لكل هؤلاء يتسع صدرالوطن باقليمه ووجدانه وتاريخه وثقافته وقيمه ومفاهيمه واحكامه وأعرافه وأدبياته وتراثه وتقاليده ونظمه وقوانينه ولوائحة، لكل فرد من هؤلاء المواطنين بمختلف جهاتهم وقبائلهم ومؤهلاتهم واعمارهم وسماتهم والوانهم وسحناتهم ولهجاتهم، يوجد حيّز ومأوى وموقع ومقام.. لهذا وذاك، أقيمت الملاذات والمطارح والجهات من منازل ومدارس وجامعات وطرق ومحطات ومسارح وسجون ومشافي ومحاكم ومساجد ومؤسسات أمن وصحة وثقافة ورعاية وتأهيل الخ، ورصدت الجوائز والشهادات والأوسمة والنياشين. الكل دونما استثناء خيوط والوان وعلامات في نسيج هذا الوطن، بجغرافيته وتاريخه وفكره وتطلعاته ورؤاه. فما الوطن سوى أنسان يعمل ويطمح ويحلم، وليس محض احجار وأقاليم ومزارات ووأسواق وتذكارات. الوطن انسان قد يقف أو يسقط، يتقدم أو يتعثر، يضحي أو يتخاذل، ينطق أو يسكت، معرفة أو نكرة، الكل له استحقاق المواطنة، علينا فقط أن نعترف بأنفسنا، بتفاصيلنا، بهويتنا وكياننا لكي نستدرج ما يكفي من لغة الحوار بحكمة صبورة وتسامح وتلطّف ورحمة، حتى لا نستنسخ أو نعيد انتاج أوثان القهر التي ثرنا عليها، لئلا نقع في تفريخ آلاف الطغاة عوضا عن طاغية واحد.. علينا أن نكرس كل محرضات العمل والبناء من أجل ليبيا الجديدة، بناء عمارة الأنسان من الداخل، قبل اعادة اعمار المنشآت. علينا، ومن باب الانصاف لنزاهة ثورة شباب 17 فبراير وتضحيات الثوار الذين قاتلوا من أجل حرية وكرامة ومجد ليبيا، أن نحفظ لهذه الثورة ما تبقى من نبلها وبراءتها، بالقدر الذي يجعلنا قادرين على ايقاظ الانسان في داخلنا، بعيدا عن جعجعة الكلاشنكوف وصخب فرقعات القنابل والصواريخ.لا بد من وقفة حقيقية ازاء الذات الليبية، لعلنا حقا نستطيع أعادة انتاج ذلك النبل الجميل الذي يهب الثورات كرامة الثورات.. وأن ننأى عن رطانة التخوين، والاقصاء والعزل والنفي والتهجير والتبخيس والتحقير والتهميش، ونرأب بأنفسنا عن استخدام تلك المفردات المقيتة التي استدعتها حالة جموح الثورة وحماستها وفورتها وعنفوانها، في توصيف ونعت من وقف أو أساء أو أجرم في حق الشعب الليبي وثورته. ولندع القوانين بهيئاتها ومؤسساتها وسلطاتها الضبطية والقضائية تفصل في هذا الشأن، لعلنا بذلك نصنع وطنا عادلا وكريما ورحيما وبهيا ومشرقا وآمنا، وليس كهفا مظلما يحتكم الى رفات الموتى، أو معتقلا تدار فيه آلة الواقع الظالم تبعا لمشيئة نزوات الجلادين، أو معسكرا يفرّخ المزيد من قطعان الأسرى الذين لا حول ولا قوة لهم سوى الرضوخ المذلّ والطاعة العمياء. نريد أن نستعيد آدميتنا ونبني كياننا كمواطنين آمنين أكراما للثورة وثوارها الشرفاء الذي ضحوا بالغالي والنفيس، بالروح والمال والجسد. حتى يتحقق للجميع العيش بطمأنية وسلام في وطن حرّ وعادل، يكفل حقوق كل المواطنين الليبيين دونما استثناء. حفظ الله ليبيا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *