الحياة السرية لملك الملوك -1-

في زمن الطاغية سيكون الثمن فادحا إذا ما فكّر احد في التعرض، ولو تلميحاً إلى حكايات الخيمة الفاحشة التي كانت تتردد همسا، تبعا لما كان يتسرب في ذلك الوقت من أسرارها الخفية. لكن أثناء وبعد حرب التحرير، وبصورةٍ خاصة ما تناقلاته الأنباء على هامش وقائع الاغتصاب التي كانت تمارس ضمن برنامج استراتيجيات الترهيب التي انتهجتها كتائبُ الطاغيةِ وأجهزته القمعية ضد العديد من الماجدات والحرائر الليبيات، شهدت مستويات التناول الإعلامي هامشا يتسع أحيانا لنكش المطمور وكشف الخفيّ. فثمة هنا جرائم يتعذّر نسيانها، وستظل تلك الواقعة المأساوية التي تعرضت لها طالبة الحقوق ( إيمان العبيدي )، وغيرها من القصص المروّعة التي اندرجت عبر العديد من الإشارات والتلميحات من خلال ما سطّرته بعض الأقلام الليبية في سياق كشف جرائم الطاغية، نشرت بعض فتافيتها صحفٌ محلية وعربية وعالمية، من دون أن تغور في التفاصيل، بل اكتفت غالبا بسرد بضع حكايات مبتورة ومقتضبة تتناول نتفا مقتطعة من سير بعض الضحايا، من دون أي ذكر لتواريخ محددة أو أسماء أو عناوين.

إيمان العبيدي
إيمان العبيدي

في السياق ذاته أتاحت لي بعضُ السوانح مشاهدة مرافعة غاضبة على لسان إحدى الضحايا المخدوعات من النساء اللائي غرر بهن فتورطن في صحبة ومرافقة العقيد، كانت قد بثتها إحدى الفضائيات الليبية، التي تبث من خارج ليبيا في الفترة ما قبل التحرير. لذا كان وما زال الخوض في الجرائم الجنسية لخيمة ملك الملوك، يستدعي الكثير من الحذر والتحفظ لما ينطوي عليه من حساسية خاصة لها إبعادها الاجتماعية والنفسية.. تقتضي المواربة أحيانا، والتكتم أحيانا أخرى عن نبش، أو حتى مجرد التلميح لبعض التفاصيل التي تمس أو تشير بشكل صريح وواضح إلى صفة ونسب الضحايا أو تتعلق بدائرة الدعارة السلطانية من قوادات وقوادين وخدم كرسوا أنفسهم تلبيةً لنزوات العقيد، وذلك لجملةٍ من الأسباب المتباينة، لها خلفياتها التي ترتبط من جهة بالتركيبة الاجتماعية العشائرية، ومن جهة أخرى بتنظيمات ودوائر (ثورجية) ومؤسسات عسكرية وأوساط فنية وثقافية، وأيضا بشخصيات اعتبارية ومشاهير ونجوم وكواكب، من ليبيا وخارجها، تحمل جنسيات مختلفة، عربية وأجنبية، يشيرُ بعضُها إلى شبكات دعارةٍ وعصابات مافيا، ووسطاء وسماسرة وجهات غامضة. ومهما شاعت وانتشرت رائحةُ تلك الأفاعيل الخلاعية، وتفاقم فحشُها ومجونُها، وترددت أخبارُها شفوياً، مازال يتعذر هنا – ولا سيما في هذه الفترة الحرجة، ما بعد التحرير – توثيقها والخوض في سرد وقائعها. حيث يصعب الفصل بين منهجية كشف جرائم الحكم المنهار، وتصفية الحساب مع منظومته الفاسدة، وبين ما قد يجرّه تحريف وتأويل حساسية هذه اللعبة، ليفضي بها من ثم إلى شبهة تصفية حسابات شخصية مع أشخاص بعينهم. لهذا يُنتظر أن يأتي أحد من الخارج، لعلّه يتعامل مع هذه المسألة المعقّدة بصورة أكثر موضوعية وحياداً، ليكشف اللثام عن الكثير من الوقائع في هذه المدونة السرية الشائكة. ولكن، مهما نُفض الغبار، وأزيحت السجف، ستظل في المجمل محض حكايات خجولة ومضمرة، وغالبا ما تلجأ لعبة توثيقها إلى حجب العديد من صورها الوحشية، أو تستأنس مجازاتها بضرورة الاستعاضة عن الأسماء الحقيقية، بأخرى مستعارة، والاتكاء على توليفة وجوه محجّبة وعناوين وهمية. في الربع الأخير من سنة 2011، ظهر في فرنسا تحقيقٌ صحفيّ مطول يستنطق جرائم القذافي الجنسية، نشرته أولا : صحيفة ” لوموند”، للصحفية الفرنسية ( أنيك كوين )، تحت عنوان ” الانتهاكات الجنسية للقذافي “. قبل أن يشكّل هذا التحقيق، المادة المحورية التي تضمنها فيما بعد كتابُها ” فرائس في حرم القذافي ” والذي صدر خلال سنة 2012 في باريس عن دار ( غراسيت ). الكتابُ نفسه تُرجم إلى عنوان ( الطرائد ) في طبعته بلغة الضاد الصادرة عن إحدى دور النشر العربية،تقوم بتوزيع نسخته في المكتبات الليبية ، هيئة دعم وتشجيع الصحافة. في هذا الكتاب الذي هو عبارة عن تحقيق صحفي – كما سبقت الإشارة، تجد آلة النشر مسوغاتها ومبرراتها لحظة الكشف عن حقائق مهولة ومروّعة وصادمة عندما يكون راعي الأمة، القائد العالمي، وملك الملوك هو وحده من يقوم بدور البطولة، ويتفنن بكل براعة في تأدية مشهديات شذوذه الجنسي بشتى الأفاعيل القذرة والتهتكات التي في غاية الرذيلة و القبح و الدنس. هذا الطوطمُ، الصنمُ، رسولُ الصحراء، المعبودُ، أمينُ القوميةِ العربيةِ، الإمبراطورُ، الزعيمُ، الطاغيةُ، نصفُ الإله، والقائدُ الأممي الأوحدُ، والذي لم يترك مرتزقةُ الكلام أيما مفردة في معاجم المديحِ والتمجيد والتأليه إلا وأسبغوها عليه… بما فيهم أدباء عرب، بعضهم كنا نحترم تجربتهم ونضالهم وكتاباتهم، وإذ بهم جميعا يتهافتون على وحل الزيف ، حين يخضعون لفتنة المال،وغواية الطمع، ويحجّون جماعات وفرادى إلى خيمة العقيد. للأسف ثمة مثقفون جهابذة، وشعراء كبار، وروائيون ينافسون على العالمية، بعضهم يترقّب ترشيحه لجوائز دولية كبرى مثل جينكور ونوبل وغيرهما..تورطوا في مديح هذا الصنم، الذي أطاح به الثوار الليبيون واندثر إلى غير رجعة عبر خاتمة قذرة تليق بسقوطه،ونهاية بشعة تنسجم مع قذارة تاريخه وسيرته الدنسة، فيما تظل كلماتهم الوضيعة باقيةً، تشهد على خزيهم وعهرهم الثقافي، ووضاعة نسلهم، وسفالة سلالتهم و منزلتهم وادعائهم الأدبي. ( هذا الشرخ المخلّ، الذي يتعلق بسقوط المثقف، يحتاج إلى حيز آخر ليس هنا مجال استنطاقه ). يحمل كتابُ الفرائس أو الطرائد، تفاصيل مروّعة ومخيفة، تتضمن اعترافات طالبة ليبية في الخامسة عشرة من ربيع العمر الذي انقلب خريفا، عبر سيرة ظالمة بدأت من تلك اللحظة التي اختيرت خلالها لتكون ضمن فريق استقبال زيارة الطاغية لمدرستها الثانوية، في مدينة سرت. كان دور ( ثريا ) – وهذا هو اسمها الذي ورد في الكتاب – الذي أسندته إليها إدارة المدرسة ضمن برتوكولات استقبال القائد، يتلخّص تحديداً في تقديم باقة ورد( لبابا معمر ) كما تقول. لكن يبدو أن البابا الذي مسح رأسها بيده النجسة، كان لديه باقته الخفية التي تتألف من صنف آخر من الأشواك الأسطورية. فخلال اليوم التالي، وبناء على تعليمات صادرة من الأخ القائد تم استدعاء ثريا بطريقة ماكرة، ونقلت من مقر سكناها تحت حراسة جاريات العقيد اللائي اقتدن ثريا في سيارة دفع رباعي، من سرت إلى السدادة ، حيث كان يروق لملوك الملوك أن يخيم بين فترة وأخرى في محميته الصحراوية. هناك كان العالم يأتي إليه : رؤساء أفارقة ، ووفود، ومندوبون، ورجال وسيدات أعمال، ومخابرات وعصابات، وسماسرة وعناصر مشبوهة وشبكات دعارة وخبراء تجميل، ومشعوذون وسحرة، وأذناب دولة، وشعراء وقوادون وعاهرات، وتجار سلاح، ومرتزقة من كافة الأصناف والشرائح والجنسيات. وهناك وجدت ثريا البريئة نفسها للوهلة أمام (بابا معمر) عاريا إلا من خزيه. فقد تكفلت جواري البابا بإلباسها عنوة ثياب العمليات السريرية التي تروق لنزوات البابا حتى يتسنى له التفكير بمزاج صاف في إنقاذ العالم من براثن الامبريالية والصهيونية العالمية، لا سيما وأنه كان يفكر ليل نهار في القضاء على ظاهرة الفقر والجوع والتخلف، لهذا كان يُعوّل كثيرا على إرساء كتلة الولايات المتحدة الأفريقية، حتى يسود السود في العالم، ويحولونه من حضيض الدرك إلى مراتب العلو والمجد والرفعة والتقدم والحضارة الإنسانية، كان البابا يفكر في اختراع قوانين جديدة للجاذبية خلافا لقوانين نيوتن، لذا بدأ باغتصاب الحرائر وانتهاك عرض العائلات الشريفة، وتدنيس حرمة الجميلات الغافلات، ولكي يكون أبا حقيقيا لا بد له من ابتكار نظرية مغايرة تقلب معايير الأبوة التقليدية، وتغيّر مواصفاتها الموروثة. بدءا من كسر حواجز العلاقة الجسدية المحرمة، وممارسة الزنا كلغة في غاية اللطف والبراءة والرحمة للتعبير عن أبوته. ظنت الطفلة الغافلة لحظة أن دفعت بها إحدى الحارسات العاهرات إلى مقصورة نوم الأخ القائد فيما كان مسترخيا في كامل عريه الداخلي على سريره الإمبراطوري، بأن ثمة خطأ ما، وبذا رجعت القهقرى مذعورة وخجلة وخائفة وهي تنبه الجاريات بأن ( بابا معمر) من دون ثياب، وهذا لا يليق.. لكن الحارسة ( مبروكة ) قد دفعتها عنوة إلى داخل مقصورة النوم، فيم بدأ يناديها البابا بصفة العاهرة، تبعا للفظها البذيء السوقي والشوارعي، وهو يقول : تعالي يا (………. ). شيء فوق التوقع والتصديق بالنسبة لطالبة صغيرة، من أسرة ليبية محافظة، إذ يبدو الأمر فاجعا وصادما حين تنقلب الأبوة إلى مصدر دنس.. فها هي الصبية، طالبة السنة الأولى ثانوي، والتي كانت وقتها تحلم بأن تُكمل دراستها، لتصبح طبيبة في يوم ما، تُقاد عنوة إلى معقل الفجور في باب العزيزية بطرق غاية في الخسة والوضاعة والتحايل.. لتتحول إلى فريسة تشبع نزوات طاغية مريض يمارس معها أبشع صور الجنس وحشية وسادية وعنفا، محكوما عليها أن تقبع في كنفه الداعر طيلة سبع سنوات بين الأقبية وأسوار الثكنات رهينة لمشيئته الفاجرة، وسلوكياته الشاذة والخليعة حيث مشاهد الجنس الجماعي واللواط والمخدرات والسكر والمجون، فيما جواريه أو حارساته الداعرات يمارسن أدوارهن بمنتهى الدقة والأمانة لتلبية أوهامه وأخيلاته النجسة. تروي ثريا للصحفية الفرنسية كل التفاصيل الشاذة التي كابدتها في دهاليز وأقبية قلعة الفجور بباب العزيزية : غلمان وجوار وليال حمراء وصفراء وشعوذة وفسوق ومروق، صور متهتكة اختزلت المتخيل والسري والمكبوت، وكل ما سطّره الخيال من حكايات وقصص و سير العهر والمجون، وضغطت مدونة الخلاعة بثراء فاحش لا نظير له، وكأن الطاغية بفجوره قد أردا تحطيم كل السرديات التي سبقته في تاريخ العهر البشري، من حكايات شهرزاد في كتاب ( ألف ليلة وليلة ) إلى رواية (11 دقيقة ) لباولو كويلهو ، مرورا بمخيلة الايروتيك التراثي لدى الشيخ النفزواوي وغيره من جهابذة المدونات الجنسية في التراث العربي والإسلامي. هكذا هي الحياة السرية في دهاليز كبيرهم الذي علّمهم الفحش. والى أن نلتقي في الجزء الثاني من قراءة واستنطاق فضاء هذا المتن المخزي، نكرر مجددا، حفظ الله ليبيا.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *