للشاعر الليبي مفتاح العمّاري الأنا المنجزة والأنا التائقة*

رجل بأسره يمشي وحيداً

 للشاعر الليبي مفتاح العمّاري الأنا المنجزة والأنا التائقة*

• بقلم : سالم العوكلي

ان الكتابة عن شاعر مثل مفتاح العماري ليست في منأى عن المغامرة بقدر ما تبدو نصوصه الأنيقة – المتكئة عن تجربة ذاتية حافلة مقتنصة بشكلها البصري لتبني فضاءها المعرفي .. ممتدة من الذاتي إلى الموضوعي ومن التخييلي إلى التجسيدي ومن الحواسي إلى الفكرة ومن الرؤية إلى الرؤيا – بقدر ما تبدو أكثر مغامرة في تفكيك مكونات هذه الذات المكتظة .

العماري الذي بدا في مجموعته الأولى ) قيامة الرمل ) أكثر ايغالاً في تلمسه المحموم لهاجس الحرية عبر نفس صوفي خالقاً عالمه الغيبوبي العصي على التجسد ، هذا بالرغم مما حفلت به القصيدة الطويلة ( قيامة الرمل ) من صور بصرية وحضور للذاكر كثيرا ما كان يكسر حدة التهويمات الصوفية والتي كانت من الطبيعي ان تفضي بنا الى نهاية رومانسية لحالة متشربة تحاول مقارعة الواقع بكل تجلياته .

نراه في هذه المجموعة اكثر التصاقا بجزئيات محددة في هذا الفضاء الشعري المترامي الدلالات .

إن القصيدة الاجد كما يفترض هي القصيدة التي لا تتطاول على المطلق ولا تتنطع لقول العالم بكليته بل هي قصيدة الجزئي التي تسعى للقبض على العالم في لحظة منه او جانب فيه بعيدا عن البذخ القاموسي المبتذل أو اللغة الشعاراتية والسياقات المكررة لمفاهيم محنطة .

وهذا ما يجعلنا ننظر إلى تجربة الشاعر مفتاح العماري – الذي تعد قصيدته نموذجاً لهذا النص الجديد وان كان كثيراً ما تستهويه أناقة المفردات ويستدرجه إغراء الصورة الشعرية بعيدا عن رؤيا القصيدة ويظل هذا المنحى الجمالي من أهم ما يميز تجربة العماري – ننظر إليه باعتباره يكرس فترة مخاض طويلة للقصيدة الجديدة في ليبيا التي تحاول أن تخلع عنها سلطات النص المتعددة .

سأحاول هنا أن أركز على جزئية حضور الذات في بناء قصائد ديون ( رجل بأسره يمشي وحيداً ) أي بمعنى إلى أي مدى كان اتكاء الشاعر على التاريخ الذاتي منهجاً لقراءة الواقع التاريخي الذي يعيش فيه والى أي مدى تصعد ( أناه ) إلى محاولة التماس الأخر … الآخر الكائن أو الأخر المحتمل .. خصوصاً في هذه الفترة التي بدأت تخرج علينا بشكل هائل وفي الشعر العربي عموما – تجارب الذات المحتفية بنفسها المكتفية بتاريخها والمغلقة ، والتي كثيرا ما تسقط أمام أسئلة الواقع .

إذا نحس في هذه المجموعة أننا أمام تجربة ذاتية خصبة سنحاول التركيز عليها كجزئية في نصوص لا تخلو من بناها اللغوية والفلسفية التاريخية والتي حسب ما بدا لي من قراءتي لهذه النصوص أنها تأتي امتدادا لتجربة ذاتية تصوغ من جغرافيا الذاكرة مكانا لرؤى تحتكم إلى واقع يركن إلى معرفة محددة أو إطار ثابت ، وبما أن التاريخ الشخصي حاضر وبأشكال مختلفة وسياقات متباينة في معظم قصائد هذا الديوان فإنني سأركز على حضوره اللفظي .. ويمكن وارجو أن أكون مجحفا أن اختصر تاريخ الشاعر في مرحلتين :

– الطفولة الغامضة المختلفة عادة وراء حضور الأم .

– والجندية كمرحلة مهمة تشكل خلالها العماري ثقافياً وشعرياً .

من خلال هاتين المرحلتين برزت ( أنا ) الشاعر – وكما قلت سأركز على حضورها اللفظي – والتي كانت عبر قصائده تتأرجح بين الأنا المتحققة .. والأنا التائقة .

من أولى قصائد الديوان ( الشيطانة النائمة ) لم يكن للأنا حضورها المتضخم أو المعزول .. ولكن كانت هناك أخرى مخاطبة تخلق علاقتها الجدلية معها .. الأخرى .. ربما العشيقة .. البلد أحياناً أو الحرية .

” أنا المغرور بكِ

العابر مكتفياً بنفسه لأنك معي

لانك امرأة تشبة نفسها

لم أرها تخالف الغد أو تشتكيه “

هذا الأنا ذات تحققت بوجودها هي المخاطبة . ورغم أنه يكتفي بنفسه وهي أ]ضاً تشبه نفسها .. فإنه داخل هذا الانكفاء كانت تتشكل علاقة تحاول القرار من عزلة الراهن وصدمة السائد إلى مستقبل خال من الخوف يشكل حلما رومانسيا أكثر منه رؤيا تعتمد على قراءة واقع أو أخصاب رؤية وهكذا يندرج حضور الأنا بكل أزماتها وتأرجحها بين التحقق والتوق بين الواقع والحلم .

“أنا الفتى الخالف

الشاب العربيد

العابر الضروري

الضيف خالق الوقت والمسرات

الزوج الآبق الوفي

الولد الشقي

حامل الألعاب والمطر “

ثمة تأريخ للذات يحدد تشكلها زمنيا رغم الارتباط الذي يحدث في تراتبية الفعل الزمني لهذه الذات .. والذي ربما يعكس المناخ الارتباكي نفسه الذي تشكلت منه .. الخالفة ..

المعربدة خالقة الوقت والمسرات الآبقة .. الوفية .. الشقية حاملة الألعاب والمطر ))

إن هذا النمو المتموج للأنا .. يربطها شئنا أم أبينا بالواقع التاريخي الذي كان يشهد خلال فترة تشكلها نفس الانكسار وهذا أيضاً تتخلص الأنا من أزماتها وسقوطها لتفضي إلى حلم معزول عن واقعه (( حامل الألعاب والمطر )) بما كان يشكله المطر من دلالات في وعي مرحلتنا الشعرية الحديثة في بدايتها .. إذ فالأنا المتحققة أو المنجزة مرتبطة في تشكلها بالتاريخ وهي أكثر وعياً به بينما الأنا التائقة تنسج حلمها الرومانسي الذي يبدو مفاجئنا ومناقضا لصيرورة التشكل في هذا المقطع على الأقل .

وهكذا … في قصيدة ( غزل (

“أنا آخر جندي في طابور الأسرى

حافيا أسير على خطى السهروردي

بيدين خاسرتين

ألملمك من دورة الزبعة “

الاحساس بالهزيمة بعمقها التاريخي والنفسي .. الأنا الخاسرة والتوق إلى فعل مستحيل .. والذي كثيراً ما يؤدي بالشاعرة إلأى اكتشاف حالة من الوهم أو العبث .

” أنا الضاج كقنبلة موقوتة في صالة رقص

أتوهم قيادة العالم

حين أنظر إلى المرأة الجالسة على مرمى الأذن “

في هذا الجزء من قصيدة ( الحافلة ) والتي اعتبرها شخصياً من أروح ما كتب الشعر في هذا الجزء تحضر الأنا كفعل موقوت يتشكل من الضجيج الموازي لحضور هذا الضجيج فقط كنقيض للهدوء وليس شيئاً آخر خارجه ..

الضجيج الداخلي كالعادة يفضي إلى الوهم بمعناه الواسع .. الوهم الذي كان مشروع حلم يتجسد في حضور المرأة ليس كأنثى وجسد ولكنها امرأة العماري التي تحضر غالباً كطيف خالص مشحون بدلالات مختلفة .. والأنا في هذا المقطع تصوغ حلمها أو بالأحرى وهمها بالنظر إلى امرأة على مرمى الأذن ..

وتظل الأذن فعلاً عبثياً لأنا ضاجة ومحاطة بالضجيج .. تكتفي بمشهد المرأة التي كما أسلفنا حضورها معنى .. مجرد .

وفي المقطع التالي من قصيدة ( ضحك ) يتحقق تكثيف المشهد المرتبط بالذات كتاريخ شخصي متكئا كما قلنا على قاموس مرحلة مهمة في حياة الشاعر .

“أنا صاحب القميص الأزرق

والحقيبة الحدباء

يدي ملح خالي

أغمس أصابعي في حير الرؤيا

وأرمي طلقة الشعر أبعد من مرمى الوهم

هكذا

افترض حرباً طويلة المدى

من أجل ضحكة في السرير “

“الحقيبة الحدباء – أرمي – طلقة – مرمى –حرباً” هذه المفردات التي تشكل بالإضافة إلى مفردات أخرى – النسيج الغوي لمعظم القصائد – تداعي من ذاكرة الشاعر .. لتعمق أناه المتحققة عبر بنى بصرية تسخر الصور المختزنة لخدمتها ولخلق نسيجها الرؤيوي الذي أفضى في البداية إلى حلم وأدى في النهاية – تصاعده الدرامي إلى تحويله وهما في بؤرة وعي الشاعر .

ويظل حضور المرأة كمعادل موضوعي للوطن .. أو الحرية .. أو الحلم يظل حضورها هلاميا .. رومانسيا . أو مجرداً

” أفترض حرباً طويلة المدى

من أجل ضحكة في السرير “

ضحكة في السرير ..المرأة منقبة في لغة الشاعر الخجولة

كما يصر الشاعر على حضور أناه كجغرافيا للحواس مع محاولات دائبة لتوحيدها أحيانا بالآخر .. وأحيانا يبدي رغبته الكامنة في شطرها .

وكتعميق لمشهد المرأة التي ينظر إليها على مرمى الأذن .. تستمر العلاقة في مقطع آخر بين الأذن والعين بمدلولاتها الواسعة كأن تقول مثلاً التشكل الشمعي لذات الشاعر والتشكل البصري واللذين يمزحان بين خصوصية التجربة الحياتية للشاعر وبين امتثاليته لغنائية القصيدة العربية .

“أنا جندي أسَمَى الأذن حارس ليل

والعين ليلاً آخر “

وأعترف أنني رغم إعجابي الكبير بهذا المقطع إلا أنني لا أستطيع أن أمضي فيه أكثر نتيجة للاحتمالات الكثيرة التي تتقاذفني ولكن ما يميز هذا المقطع إن الأنا هنا تأتي متأملة خارج السياق المادي للتاريخ شخصياً كان أو مطلقا وكما توقعنا .. أو بالأحرى كما تلصصنا على آلية خيال الشاعر ومراقبة نموه .. كان لابد لتشكيل هذه الأنا المتأزم في وعيها بالتاريخ أن يفضي رغم محاولات الحلم التعسفي أن يفضي إلى حالة من الإرتكان إلى الأنا المنجزة بكل بؤسها المعرفي ومن خلال أزمة هذه الأنا يمكننا أن ننطلق إلى تجربة الشاعر الذاتية على مستوى التكوين الزمكاني لتجربته الخاصة حيث الماضي حاضر ببعديه الذهني والوجداني لتأسيس رؤيا الشاعر وحيث التعامل مع التاريخ الشخصي هو محاولة مثابرة لا عادة ابتكار تاريخ الذات .

إن هذه المجموعة التي كتبت بين عام 1989 و 1991 كانت تستجيب بشكل واضح لهذه الفترة المهمة التي اتسمت بالتفتت والسقوط على جميع المستويات .. كان ثمة انكسار على المستوى الفردي يزامن وجع الاكتشاف الذي واكب مرحلة حادة من التعرية لكل شيء والسقوط العنيف لقيم إنسانية كبيرة .

ولذلك كان لابد لذات الشاعر أن تركن إلى تاريخها لتعيد اكتشافه مع نجاح مهم يميز تجربة الشاعر في تحاشيه السقوط في زمنية القصيدة .. ويمكننا أن نضيف في هذا الجانب أنه رغم أن قصائد المجموعة تحمل أحيانا رطانة سياسية ومضامين اجتماعية مهموسة غلا أنها بسبب انشغالها بتقنيات القصيدة نفسها ومكوناتها الجمالية ترى أن المرسل يختفي فيها أو يكاد .

وكما سبق وأن حددنا مراحل الشاعر بين الطفولة التي تبدو غامضة الملامح ومرحلة الجندية التي تحضر بكثافة في نسيج هذه القصائد يمكننا أن نلاحظ اقتراب الشاعر من الكلي بقدر ما يقترب من ماضيه الشخصي .

” كما لو أنني أهذي

رأيتك أيتها الشاردة وأنت تهتفين نحوي

توقف أيها الجندي

كما لو أنني أحلم

أنزع معطفي العسكري

وأجلس قريبا من شواطئك القاسية

أفكر فيك بحواس مرتبكة

وحزن شفيف “

بين الهذيان والحلم والفكرة ينجز الشاعرة رؤياه مستجيباُ لواقع يركن لهذا التدرج في مرحلة تفكيك كامل لكل معطياته ونزوع إلى بلورة رؤى جديدة ترتبط في ذهن المتلقي بحالة من الخوف والارتباك

(شواطئك القاسية – حواس مرتبكة – حزت شفيف( .

إن أهم ما يميز تجربة شعراء الريادة هو الاستجابة الجماعية لمرحلة الإجماع القومي والحلم الجماعي . والتي كانت تحمل داخلها مشروعها الإبداعي .. ومن ثم بعد عدة أحداث ومنطلقات حادة على صعيد هذا الإجماع جاءت مرحلة التشظي .. والتفتت وكان لابد للذات الفردية أن تبرز .. الذات التي تبحث عن خصوصيتها عن حلمها ، وعن لغة جديدة خارج اللغة السائدة الذات التي تصر على أن تقدم تاريخها .. وهذا ما ينجلي عند العماري .. رغم أنه يربط محاولتي لصياغة مفهوم محدد لطريقة طرحه والتي تتفاوت بين الذات المعزولة حينا والذات المرتبطة بشكل واضح بظرفها التاريخي .

“ليس مثلي / الشاعر الذي رافق العسكريين

وهم يقفزون من الشقوق

وأرفف الغبار ” ص 8

***

“حاضنة القصائد والشهوات

لم تولد بعد حين ذهبت إلى حرب ” ص 10

***

هل يكفي أنت وأنا

كأننا لم نخسر الحرب

أن نرقص وبأطراف ليست لنا ” ص 100

***

مرة .. حين عاد الجندي

ولم يجد حطبا في المدفأة

أحرق حذاءه الثقيل

ونام ” ص 27

وفي هذه المقاطع الموزعة على قصائد المجموعة يستعين الشاعر بتجربته الخاصة جداً والتي تتقاطع بشكل مثير للإعجاب مع الموضوعي الذي يكرس عمقه الإنساني لصياغة رؤيا شمولية تحرر الشاعر من إقليمية الطرح أو أي نزعة انفعالية وهو هنا يقدم نموذجا لتجذر الذات في أرضية الحلم الإنساني المشترك ورغم تغريب الصورة في المقطع الأخير ” ولم يجد خطبا في المدفأة ” فإن بنيتها الجمالية تجعلنا نستجيب لمرسلها العميق دون أن تتقصى مصداقيتها أو إلى أي ترتبط بتاريخ الشاعر وتجربته .

أما في المقاطع التالية فلاحظ أن الفعل يتفاوت بين الأمر والماضي والمضارع ( التي مضطر لاستخدام هذا الأسلوب الذي يبدو تقليديا وذلك لأهمية البعد السيكولوجي لزمن الفعل في نصوص العماري التي لا تخلو من النمو الدرامي لمكوناتها ) ، الفعل المقرون أصلاً بحالة ماضية يحاول أحيانا كما قلنا تشكيل هذه الذات من جديد في علاقتها بالواقع .. وإن كان الخطاب الشعري عند العماري غالبا ما يمثل استيهاما للواقع أكثر منه تعبيرا عنه ، يحاول الشعر أن يستلهم التحولات المهمة التي اخترقت جسد الذات ليحدد قامة أو زمن الفعل ونمو الإيقاع الحركي للنص وهل هذا سيتم في شرطه التاريخي والاجتماعي والثقافي .

لنر ..

أولا فعل الأمر :

“توقف أيها الجندي

إن تذهب بعيداً

يغدو الضحك مقلوبا

يصير صدري بلا مأوى ” ص 15

” توقف أيها الجندي

لست مدينة مستباحة

لكي تحتلني .. ثم تنسحب حين تشاء ” ص 17

“دليني يا أمي عليّ

قالت : مرضعتي الريح فاتئد

لا حليب في القدح

لكي تشرب”

في هذه المقاطع التي يغلب عليها البناء الحواري ثمة شرط موضوعي لعلاقة الجندي بما هو معادل في وعي الشاعر لحالة من التيه واللا حدودي – ثمة شرط موضوعي لعلاقته مع الأخرى المخاطبة وهو التواصل بين الحلم الفردي – والحلم الجماعي والذي كما سبق أن ذكرنا تم سقوطه وتفككه وتظل هذه العلاقة الرومانسية إلى حد ما بين الأنا والآخر بين الذات والخارج تظل مأزق النص الذي يحاول أن يقترب من الواقع برؤيا وجدانية حالمة أكثر منها نقدية .

ثانيا الفعل الماضي :

-“هذا الخجول الفاحش – قريني الذي خانني

علمني كيف أهوى

وكيف أعبر واثقاً باتجاهك

في وداعة الأسرى ” ص 7

***

-ثلاثة أطفال

من حبر نظيف

صنعوا قمراً شاباً

قذفوا به إلى السماء

أكبرهم كان جندياً ” ص 29

-“كبرت يا أمي وكبرت قمصاني معي

كلما حفرت للطمأنينة بدراً

صار الماء غير الماء ” س 76

-“كبرت يا أمي

وكبرت أحذيتي عليّ

كانت مائدتي ملأى بالألوان

لكن الظامئ يهذي :

ماذا تخبئ البئر من أوهام “

“تعطل الجندي حد الموسيقى

تعثرت أذناه فيه

أو في جثة سواه “ص 95

-“وكانت نافذتي معي

قمر يسكب شكله على أمي ” ص 38

يكمن ملاحظة أن هذه المقاطع التي أقدمها ليست هي فقط التي تحتوي على الفعل الماضي .. ولكنها إضافة إلى ذلك تحمل خصوصية التاريخ الشخصي للشاعر في حالة تحققه أو إنجازه .

وما يلاحظ أيضا انشطار الذات في فعلها المنجز (القرين هو نفسه ) – ( القمصان ) في الفعل الحركي و ( الأحذية ) في نموها الزمني المرافق لتشكل ذات الشاعر – ( جثة لسواه ) – ( وكانت نافذتي معي (

انشطار الذات في حضورها الخاضع لحلم خجول يلاحقه وهم مناوئ وهذا ما يميز المرحلة التاريخية المتاخمة لوعي الشاعر بواقعه المشطور .

ثانيا : الفعل المضارع

وهو يمثل راهن الشاعر في علاقته الحميمية مع الأشياء في كابوسيته في حلمه – ووهمه يعزل عن الوجدان الجماعي والوجدان المؤدلج .

-“بدأت أتعب من زوجتي

حين ترتبني يداها بخيال واثق

قم يا عزيزي طلع الصباح ” ص 35

-“دائما قبل أن أنام

أفكر في أشياء أجلهلها

في صوفي وهم يدخلون بيتي من باب الأمس

في الهواء يترنح مسلوقا على رصيف طرابلس “ص 98

عبر بلورة هذا الراهن المتأزم بظهر الشاعر أقل قبولاً لرؤية العالم الجاهزة أو المنجز وأكثر إلحاحاً في محاولته تفكيك العلاقات الداخلية ..وأعمق إيغالا ف باليومي .. والذي بقدر ما هو زمن ذاتي فإنه يعكس واقعاً تاريخياً بكل ما يحمله من مضامين اجتماعية أو سياسية .

وهذا ينجلي وفي كثير من المقاطع التي تطرح راهن الشاعر في تشكله من خلال راهن إنساني أو قومي على أقل احتمال – يمكن أن نلاحظ من خلال هذا التعامل البسيط مع حركية وزمن الفعل في نصوص العماري – إن تجربته في تناغمها مع الواقع تدرجت من حالة التخبط بين الحلم الفردي والحلم الجماعي إلى انشطار الذات في حالة من الإنكفاء على مستوى الفعل والاستجابة .. ثم إلى مرحلة التفكيك العضوي .

والتعامل مع الأشياء المحيطة واليومي مستعينا ببلاغة المشهد والعمق الإنسانية .

وفي النهاية تطرقت في حديثي عن قصائد العماري إلى ( المرسل ) بمعنى الناتج الفكري أو الرؤيوي في كتابة النص ..

وأنا بدوري أتساءل الآن هل كان لهذه القراءة المتواضعة مرسل محدد أم أني تورطت في حالة تناص مع قصائد المجموعة .

إن ما يمكن أن أقوله .. إن العماري الذي بدأ في مجموعته الأولى ) قيامة الرمل ) – جزءا من حلم جماعي ..حلم شاسع بحجم ” أخصاب الرمل ” وبمساحة المطر بكل دلالاتها نجده في هذه المجموعة ينفصل عن الحلم الجماعي بضخامته ورومانسيته وبسقوطه في دائرة الوهم .. فنلاحظ .

أولاً أنه بقدر ما كان في بناء قصائده يعود زمنيا ذاهبا في تاريخ الذاتي .. نجده في ترتيب قصائده في المجموعة يعود بها أيضا زمنيا فيختم المجموعة بأقدم قصائدها تاريخياً.. فنفاجأ بعد أن ننتهي من قراءة الديوان إننا كنا نعود مع الشاعر في زمنه .

هذا على المستوى الحسي في كتابة القصيدة وعلى المستوى الذهني في ترتيب القصائد .

أما حالة تشظي وتفتت الحلم التي ظهرت في هذا الديوان فإن ذلك يتبلور جلياً في ختام معظم قصائده التي تتخلل تفاصيل الواقع بكل أزماته ثم تفضي إلى أحلام فردية بسيطة تشكل في مجملها وعي الشاعر بالحرية كتفاصيل يومية وليست كفمهوم وبالإحساس بالقمع بكل مستوياته .

فنجد أن أحلامه الصغيرة تكتفي أحيانا بوطن داخل بيته .

“فصنعت لك نهراً بحجم الحصير

وشيدت وطنا فوق المخدة “

***

ويبتكر العليا لطفلته ( وعد (

“وقهوة نظيفة للأصدقاء “

***

أو يكتفي بامرأة وغرفة خارج الزمن

“امرأة تحبني وتغامر ضدي

وليل كثير

نضرب الشمس عني قفاها

لتذهب إلى غرف أخرى “

أو ” افترض حرباً طويلة المدى من أجل ضحكة في السرير “

***

فقط اشتهي نومة واحدة

أحلم فيها بأشياء الغابة

أشتهي بياضاً بسيطاً أرسم ظلي عليه “

إذن يتنصل الشاعر من أحلامه الكبيرة ليتشبث في زمن الإحباط والتفكك بما تبقى له من أحلام صغيرة .

ولكن في الواقع هل هي صغيرة فعلاً ؟ .. إنها التفاصيل اليومية التي في مجملها تجسد معنى .. الوطن المعنى لا الجغرافيا ، والحرية في تفاصيلها بعيداً إن اطلاقيتها أو مفهمتها حسب الخطاب الأدبي الذي كان سائداً .

فالعماري شاعر تشكلت شاعريته وثقافته في واقع مؤطر وانضباطي وبين ألوان تتأرجح بين الأصفر والرمادي بين الرمل والخيام .. والانتظار .. والتشابه ، وكان دائماً يعلن تمرده وفوضاه ليفاجئنا بنصوصه التي تحتفي بالجمال كدرب لتعرية القبح .. وبالحس الصوفي الذي يمكنه أن يقشر الواقع . يجيء دائما بقصيدته الملونة والمتموجة .. قصيدة الغابة .. والمطر .. والبرد ليقول لنا أن طفولته الجبلية بكل غموضها انتصرت على ما عداه وأن الشعر أبداً لا يولد على الرخام أو في القوالب المطرزة .. الشعر الحقيقي الذي لا مكان فيه لتنميط القصيدة أو استهلاكها .. فالقصيدة المتوخاة هي التي تولد في منطقة تشكل اللغة لا في قطيعتها .. في المادي الحسي الغريزي لا الذهني المجرد وأن الرجوع إلى تفاصيل الذات المبدعة سيكون إنجازه المهم أنه يقدم لنا تجربة تفاصيل الذات المبدعة سيكون إنجازه المهم أنه يقدم لنا تجربة إنسانية حية تصوغ لنا إطاراً معرفيا وفنياً يمكننا أن تتجادل حوله أو نحاوره أو نتساءل بشأنه .

_______________________________

 * سالم العوكلي ( شعرية السرج السابح ) منشورات مجلة المؤتمر 2002 /طرابلس ليبيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *