جنازة باذخة .. تقنيات البنية الفنية في قصيدة النثر

محمد الزيات

يطل علينا الشاعر مفتاح العماري بديوانه الجديد ” جنازة باذخة ” والذي يضم باقة من روائعه الشعرية المفعمة بالأسى الرقيق، والحزن الممزوج بالغضب والتمرد، واعدا المستحيل بجنازة باذخة.

حيث تستقبلنا قصيدته المرهفة ” عناوين خجولة “. والتي لم يكن اختيارها لتتصدر قصائد الديوان، آتيا عن طريق الصدفة، ولكن الظن الراجح بأن تلك الشحنة الإنسانية الدافئة والشعرية الأسيانة التي تتوفر عليها القصيدة، كانت وراء هذا الترشيح الدبلوماسي، حيث استقبال القارئ في أجواء حميمية، كفيلة بأن تجعله يعانق تلك الروح التي نشأت عنها القصيدة. لتصطحبه إلى ضوء اللغات، بأحلام تنمو بصلابة الحليب، وبأصابع نساجة ألفة، وخزافة متع.

 

” عناوين خجولة ” تفتح اذاً منعطفا للقارئ نحو حساسية فائقة توفرة جملة متموجة مثل حلم يقظة – بتعبير ” بود لير ” –” الشتاء يحمل معاطفه ويغادر بلا جدوى ” وهي ليست غريبة على المأثور الشعبي ” حمل عصاه ورحل ” ولكن تركيب الجملة يلعب على شحنها بدلالة مختلفة. ففي الوقت الذي تحيل جملة ” المأثور إلى دلالة اليأس والانهزام، تكون جملة الشاعر قد أثثت نفسها على دلالة مكر الشتاء وخبثه، حيث يغادر ” بلا جدوى ” – بدون مطر – مخلفا وراءه من أثر برده القارس المؤذي أثره الماكر والخبيث : ” أصابعك باردة وزرقاء “. وهكذا بينما تنزرع الجملة الشعرية في قلب جملة المأثور الشعبي تكون قد ابتنت لذاتها ودلالتها الخاصة.فيكون تلاقيها معه هو تلاقي الذي يجمع بين التشابه والاختلاف.

وهذا التعميق لمستوى التناول الشعري للغة المأثورة سوف نرى انتشاره الفاعل على مستوى بنية القصيدة.فدوالها تثير مجموعة من التوترات على مستوى التتابع حيث تستجيب وكلها انعال تتناسب وتفعيل الاستعارات المكنية وتزيد من قوة تأثيرها.

وجه الزوابع – صوت المساء – حقولنا البريئة – حقائب الوجد -.

وسوف نرى هذا التضافر لمحوري الاختيار والتجاور متجليا في ثنائية ” البصري ” و – ” الصوتي ” للدوال التي تقع على محور الاختيار.فالأول : يحتشد بدوال مثل :

ضوء – وجه – المساء – حقولنا – بكائنات – حقائب – مدن – منعطف – مطر – شجرة.

مساهما بذلك في احتشاد الصورة الشعرية بسديم ممزوج بالدوال الصوتية حيث.

الثاني : يتعشق مع الأول محدثا هذا التجاور المتشابك مثل :

-اللغات – الزوابع – صوت – ثرثارة –

ويحدث هذا الازدواج انعطافات في المعنى عند كل كلمة وكل جملة ليؤدي ذلك إلى انعطاف على مستوى الدلالة. وهي مساهمة أخرى في تخليق نسق القصيدة وترابط أجزاء بنيتها.

* التكرار والزمن

تلعب خاصية التكرار على أكثر من محور، لعل أهمها هو محور ” الزمن ” فالتكرار يعمل على فتح سبيل للهروب من خطبة زمن السرد. والذي بحكم قانونه يفضي إلى نهاية محتومة. فيكون التكرار هو أداة لاعادة القصيدة إلى داخلها، حيث غايتها. فلا غاية لها خارجها. وكل ما تستدعيه من أشياء لا يعدو أن يكون في علاقة بالانفعال الداخلي للشاعر.

كما أنه يضفي شاعرية على القصيدة بكسره للسرد. ويتضح ذلك في تحويله ما هو يومي وراهني إلى سديم حلمي. فالوجود ليس معنيا بذاته، إنما بما يثيره من روح التمرد ومشاعر الغضب، أو حتى الأحاسيس السعيدة أو الأليمة. وهذه الإثارة هي المدعوة هنا ولاشيء سواها.

وعلى سبيل المثال نلتقي بخاصية التكرار في قصيدة ” جنازة باذخة ” مثل : ” حكاية من ” التي تتكرر أربع مرات مفتتحة بداية كل مقطع ترد فيه. وكذلك جملة ” وان يكن وقفي بلا ظل وماء ” التي تتكرر مرتين في القصيدة. كما نرى تكرار فعل الأمر المشحون بالدلالة ” أعطوني ” ثلاث مرات.

الدوال المتشابكة بالتقابل كما نراها في ” علب الدواء وحدها ” تنمو ” حول سريرك ” فتكون هذه الاستجابة بالاختلاف بين دال ” الشتاء ” ودال ” تنمو ” بينما يكون ذلك التشابك بالتلاقي في أقمار ضحكتك تذبل ” حيث يتلاقى الذبول مع الشتاء وكلاهما يجد تشابكة مع ” يداك ربيع… ” والتشابكات التي تراها تلك الدوال المنتثرة والموزعة في بنية القصيدة يجملها المكثفة. تلعب على منعطفات المعنى الذي بدوره يلعب على منعطفات الدلالة. وهي تقنية تساهم في خلق روابط الوحدة العضوية للقصيدة.

ولاشك أنها تعود إلى محور الاختيار، في تلاقيه مع محور التحاور. حيث تهيمن الفكرة خالقة تلك الشعرية التي تميز كل بنية فنية وأدبية. بينما تلفت نظرنا جملة النهاية في كل مقطع التي توحي بانتهاء القصيدة ولكنها لا تلبث أن تستأنف تدفقها من جديد. كأنها توقفات لغدير ما يلبث أن يفيض متدفقا متتبعا تعرجات سهول ووديان المعنى. مثلما في المقطع الأول ” وقلبك وطن للشاعر ورحلته الآمنة “

كما في المقطع الثاني : ” وهم يحملون الحدائق / في حقائبهم المدرسية ” وفي الثالث : ” طالما الكلمة الوحيدة / التي يبحث عنها الأنبياء / تستيقظ هنا ” ولكن هذه النهايات الخادعة، هي نفسها التي تسمح بتعرج السيل وانفتاح مسارب جديدة لاستيفاء دفق الانفعالات المحتقنة.

وسوف نبين عمل هذه الخاصية متخذين من نهاية المقطع الأول مثالا، مكتفين به، لنعطي فرصة لأنفسنا، لتناول خواص أخرى تحفل بها قصائد الديوان. فبينما نستشعر الوقفة، إذ الجملة التي تليها تفاجئنا بذلك الدفق الشعري المحلق في أجواء حلمية والذي ساهم في تخليفة افتتاح الجملة بالفعل الماضي الناقص – كنت – بما يتيحه من مسافة زمنية، بيننا وبين الأحداث المستدعاة من الذاكرة. تلك المسافة التي تسمح للمتخيل بأن يزاول نشاطه التجسيدي ” كنت قبل أن يجف ضوء الغابات ” هكذا تنغمس الجملة في الحلم. بينما تتدفق الأفعال المستدعاة في صيغة المضارع، مؤكدة الحضور القوى للفاعل المضمر المتسم بالحركية الإيجابية والنشيطة.

تغيرين – تبددين – يزحف – تائهين – تحملين -.

* خصائص موسيقية :

لعل نزوع القصيدة النثرية لإدخال اليومي ولغة الراهن المعيش إلى جوقة القصيدة، هو الملمح الإشكالي في بنائية هذا الشكل الفني حيث هذا الازدواج الذي ميزها عن غيرها من الأشكال الأخرى أتاح لها الاستجابة لنزع التمرد على الانسجام الموزون والمقفى، متخذة من الكلام في شكله النثري مادة لها تعيد تركيبه أحيانا موقعا، و أحينا أخرى غير موقع. وهذا التركيب النثري غير الموقع يظهر في القصيدة كانتفاضة الوعي المستيقظ من الحلم. والذي يعمل على عدم الانصياع للغنائية – مثلما نراها في ” أصابعك باردة وزرقاء ” – ” علب الدواء وحدها تنمو حول سريرك ” – لكن لا بأس “

بينما يعمد الشاعر إلى تقنيات تعويضية تموسق النثري مثل : المحارفات أي اشتراك كلمات متتابعة في حرف أو اكثر مثل حرف ” السين ” في ” لا شيء الآن باسمى يسمى سيظل كل ذئب تاه في لغة كنز عواء “

كما يصادفنا حرف السين بوضوح في قصيدة ” حطاب الأرض الوعرة ” – سأعتق – حدسي – كأسى – فيسكر – جلاّسى – تسهو – اسبر – حراسي -.

في :- هنا سأعتق خمرة حدسي // وأشرب كأسي // فيسكر قمري // ويرقص ظل جلاسي [ لاحظ أيضا التشابه التصويتي بين الصاد والسين ] // وحين تسهو أذن الليل // أسبر غور جدراني // وأغافل غفوة حراسي “

كما يلعب التقابل بين الاختلافات على أحداث ترددات مموسقة وحائمة مع تردد المعنى، بين المتقابلات، مثل ما نراه في قصيدة ” الميراث ” – زئير السبع / وقامة الجندب – ضراوة البؤس / وفخامة الأسى – ولاحظ أيضا التلاقي بين البؤس والأسى فضلا عن التشابك بين ضراوة / فخامة، قاحلة / منارات / عيوننا المبللة بالهوان / عمياء بلا ظلال أو حدائق / ثراء / أحلام

فنلاحظ التشابه والاختلاف الذي يبين مدى الاشتباك الدلالي ومنعطفات المعنى. فضلا عن دورة في موسيقية القصيدة. مثل :- قاحلة – المتقابلة مع – مبللة – ومنارات – المتقابلة مع – عمياء بلا ظلال – واشتباك كل ذلك مع – ثراء – من ناحية، وأحلام من ناحية أخرى.

ولاحظ أيضا هذا الاشتباك بين المتلاقيات في : ” … مدافن التوق / وأكفان المباهج والمسرات

فهذه المحارفات وتلاقي المتشابهات والاختلافات تعمل على موسيقية المنتخبات النثرية، مع أجزاء من تفعيلات مجلوبة من عناصر البحور فتكون قصيدة النثر هنا مقيمة بناءها على عناصر مفككة من القديم ومادة نثرية أدخلت إلى عملية النظم بتراكيب لغوية مموسقة أو موقعة، سواء بالمحارفات أو الجناس أو حتى التطابق. وتكون هذه العملية خاضعة دائما للاستجابة للتحويم الدائم فوق الكلمات والجمل لنستشعر البخار المتصاعد من دفق الانفعالات والأحاسيس، الذي يحيلها إلى لغة الحلم، ويؤبد الزمن في الاستعادة الدائمة التي لا تصل أبدا إلى النهاية الحتمية التي يفرضها قانون السرد.

ونستطيع أن نجزم بأن هذه الخاصية هي الأهم من بين الخصائص التي تشتمل عليها قصيدة النثر. والتي تميزها عن غيرها من الأشكال الفنية الأخرى. فهذه المناوشات الدائمة في القصيدة بين ما هو شعر وما هو نثر تسجل أهم ملامح هذا الشكل وهي ازدواجية الشعر النثر مضمرة على المحور الأول الرغبة المستحكمة في التمرد على الشكل القديم، وعلى المحور الثاني الرغبة في الانغماس في لغة اليومى والراهن لغة عالمنا الذي نعيشه. لغة النثر المروض بإعادة تركيبة لغويا وتصويتيا. خالقة بذلك كوكبة من التقنيات المموسقة.

وجدير هنا أن نرد تمرد القصيدة النثرية إلى مسبباته الموضوعية التي تجد جذورها في زحف المتغيرات من حولنا، وتلك السمة المميزة لعالمنا بالاضطراب والتشوش والفوضى. بحيث أصبح عالمنا غير قابل للفهم. مزيحا ذلك الانسجام الكوني الذي كان يحياه الإنسان. فينعكس على إبداعه في شكل نظام وتوازن، في انضباط قياسي. أصبح الآن متناقضا مع ما يعكسه عالمنا علينا من تشوش وفوضى تتناقض مع هذا الانضباط والتوازن.

فكان لابد من تفكيك هذا البناء المنسجم في توازنه، وإحداث شكل يستجيب لكل منعطفات الفكرة ودفق الانفعالات الناجمة عن اضطراب عالمنا المنفلت دوما من بين أيدينا والمستعصي على التقديم.

فالتمرد خاصة أساسية في قصيدة النثر تجد مشروعيتها في واقع مثير لانفعالات الغضب، وما يتولد عنه من حزن وأسى يدفع الشاعر إلى تفكيك الأنساق الفنية التي تعوق عملية إعادة بناء العالم. ليعيد للإنسان اتزانه، عبر رؤيته الخاصة. التي تشع من خلالها آفاق الأمل والمسرة.

مما جعل الشاعر يصرخ صرخته الغاضبة و المستغيثة في آن : ” أعطيتني اللسان المعتقل بفصاحة العي وتأتأة الغرقى كأنني من هدر اللحظة الفاسقة ونطفة الخلاعة رهينة السر وأن فيضي هوس الصعاليك ولوثة العيارين “مشيرا إلى تهميش لغة التمرد والغضب والتهكم على مر التاريخ في تراثنا. بينما يمتلئ المتن ويعج ” بمناجم الجهل “حيث ” لم يبق منك أيها الغابر إلا خلّب الصخب وأصداء حروب العشائر “

* تنويعات الجملة في قصيدة النثر

لعل الجملة المتموجة ذات التعرجات الحلمية والطويلة نسبيا ( 2 ) تشكل ملمحا هاما في شكل وتركيب الجملة في ” قصيدة النثر ” فتركيبها يعتمد انعطاف الكلمات، التي تنتقل بالجملة من أجواء السرد المنطقي إلى أجواء الحلم.ثم ” الجملة الغنائية ” المستجيبة لارتفاع مستوى اندفاقات المشاعر الحادة السعيدة أو الأليمة. التي تميز التصاعد الدينامي للجملة الغنائية.بينما تأتي ” الجملة التنافرية ” شديدة الإيجاز لتقطع استرسال النغمة. فيبدو التنافر الصوتي المصحوب – غالبا – بنغمة سخرية أو تهكم ما ملازما لانتفاضات الوعي ومعبرا عن اليقظة. تلك التي تقطع الحلم.والتي تستعاد مروضة. ليبدو الحلم لم يعد ممكنا إنهاؤه. وهي تركيبات لغوية للجمل تميز ” قصيدة النثر ” كإنجاز يقف بجانب الخصائص الأخرى. كشاهد على حضور شكل فني جديد. يتمحور حول موقف إستراتيجي مغاير. هو الموقف الرؤيوي من العالم والرغبة المستحكمة لانتزاع لغته الخاصة، وإزاحة تسمح بالتعبير عن عالم ندركه ومستعص على التقديم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *