أوطــــان طــــاردة

– 1 –

الوصاية كما تنص عليها القوانين واللوائح الشرعية تتصل بالقصر والعجزة والمتخلفين عقليا والله أعلم .. لكن أن تنسحب الوصاية على الكتابة الأدبية وغير الأدبية ليملي عليك بعض المتأستذين الحدود والشروط والمواقيت التي لا ينبغي تجاوزها في طرح و مناقشة القضايا والهموم الحياتية والمعيشية ويفرضون عليك من ثم مساطر خاصة ومعايير لطرح الأسئلة بحيث يمسي أي نقد للذات يثير القلق والحساسية ويرفع من درجات الوسوسة والارتياب .. فهذه لعمري ممارسة مرضية تحاول أن تحتكر وحدها مشروع الكتابة بالطريقة التي تنسجم مع مزاجها النزوي .

 

ليس بالضرورة حتى لو اقترضنا جدلا بأننا جميعا نحب الوطن وننتمي للثورة أن ننظر كلنا من نفس الزاوية .. وأن نحلم الحلم ذاته ونصيغ نفس العبارات والرؤى .. هذا ضرب من الجنون لحظة أن تعتقد بأنه في وسعك أن تكيف الآخرين وفق مخيلتك لكي يبصرون العالم من خلالك ، ويتحسسونه بنفس اللوامس والحواس .. وكأن الاختلاف في زاوية النظر لا يعد سبّة فحسب .. بل خيانة و مروقا وخروجا .. وهكذا أضحى مشهدنا الثقافي والإعلامي وفق هذه الآلية المختلة أكثر ارتباكا حين يقصي المختلف والمميز والمغامر خارج أروقته .

– 2 –

عندما شرعت اللجنة الشعبية العامة للثقافة وبحماسة بالغة في الإعداد لإقامة أول مناشطها الأدبية والفنية على هامش معرض الكتاب الوطني بقاعات معرض طرابلس العالمي قد ابتهجت شخصيا بهذه المبادرة .. ولاسيما عندما بلغت شفويا من أحد أعضاء اللجنة المشرفة على النشاط الشعري بأهمية مشاركتي .. ولكن فوجئت بعد حين بأن قائمة أسماء الشعراء المقترحة لتلك الأمسية ما أن عرضت على الأخ أمين اللجنة الشعبية العامة للثقافة حتى خرجت من مكتبه وقد اقترفت يده الكريمة شطب بعض الأسماء ( وكان اسمي وأسم الشاعر الفلسطيني جميل حمادة من بين تلك الأسماء التي شملتها عناية الأخ الأمين ) . ووفقا لهذه المشيئة ، ترتب تلقائيا إقصاؤنا من جميع المناشط الإبداعية في الداخل والخارج . لا لشيء إلاّ أن سيادة الأمين قد آثر أن يشارك وحده دون منازع في فرانكفورت والقاهرة .. ناهيك عن مواقفه شديدة الصرامة ضد الشعراء المجددين الذين أطلق العنان لسخريته من تجاربهم وسلوكهم في محاضرته التي ألقاها بقاعة المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر خلال شهر النوار ( فبراير) الماضي ، تحت عنوان ” القصيدة العربية في ضوء ما يسمى بالشعر الحر”و!

التي اتسمت بطابع تهكمي موغل في الشرشحة والسخرية والتحقير.. لحظة أن تداعت مخيلته إلى تمرير العديد من الألقاب والتوصيفات والتهم ضد الشعراء المجددين ، على شاكلة ( كلاب سوق .. وسكارى .. وجلاس ليل .. ) ناهيك عن نعت لغتهم باللغة المخنثة ووصف تجربتهم بالموجة الليبرالية التي حسب تأكيده : تشكّل هدما للكيان وخروجا على اللسان والأمة والعودة إلى مرحلة القطيع ، الخ ….. هذا الضرب من العدوانية قد سرّب درجة عالية من التحقير لدى قنوات وأوساط تجمّعاتنا الثقافية حيال شعراء قصيدة النثر، فأمسى شاعر كبير بقامة (على صدقي عبد القادر) صاحب بلد الطيوب ، مشروطا في إحدى مهرجاناتنا الشعرية التي أقيمت مؤخرا بخمس دقائق فقط .. بينما أفسح لبعض المهرجين مساحة زمنية سخية وصلت إلى خمس وأربعين دقيقة . فهل يعقل أن تختزل تجربة شعرية تجاوزت نصف قرن من العطاء المستمر في خمس دقائق فقط.؟

– 3 –

إزاء هذا الحصار المسيّج بعدائية لا تخجل من إعلان مقتها جهارا نهارا ضد شعراء قصيدة النثر في مشهدنا الشعري المحلي .. لم يعد أمام الشعراء سوى تلبية تلك الدعوات التي تردهم من خارج الوطن والسفر على نفقتهم الخاصة إلى محافل الشعر القومية والدولية . فمن لوديف إلى المهرجان الدولي بعنابة ، مرورا بربيع القيروان .. رسم الشعراء الليبيون إشارة أكثر بهاء وخصوصية .. كان لها الحظ الأوفر من الإشادة والاحتفاء والترجمة إلى العديد من لغات العالم ( الفرنسية والبلغارية والأسبانية ) . فهل سنمسي وطنا طاردا للشعراء لمجرد أن قصيدتهم قد نأت عن خبب الخليل .. وبكاء الأطلال .. واقترحت لها نسيجا آخر أكثر صلة بإيقاعات الوجدان المعاصر وتوتّرات لحظته الراهنة .

وهكذا تسامت القصيدة بتوقها بعيدا ونأت عن أبهة الفساد، والسفر في الدرجة الأولى .. والتمتّع بنجوم الفنادق الفاخرة .. لتحلّق بخيالها الجميل خارج حسابات من يهبون مفاتيح الكامري ومخصصات السفر للخلّص والمريدين الذين في كل عاصمة يمرحون .. لتسافر بأسرها مكتفية بما قلّ ودلّ .. حيث تتكفّل بضعة دراهم بتأمين مقعد مكسور في حافلة شعبية ضاجة برائحة البصل والبيض والأحلام الرثة .. فقط لتغني بحرية .. معبّرة عن وجدان الوطن .. بثقة وهدوء تحفر مجدها .. بغض النظر عن دسائس المنافقين وحيل لصوص المهام المكوكية و سماسرة الثقافة .

___________

ليبيا اليوم – الاحد 24 ابريل 2005

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *