أنفاس

في جوف الغيمة القاتمة

بذرة قمر

تُزهر بعيداً

عن شرفات الشتاء

(مفتاح ميلود)

أنفاس: عنوان لإشارة أخرى في خارطة الشعر الليبي الأجد.. يرتفع هُتافها اللامع من ذرى الجبل الأخضر, ليعبّر عن أصالة شعرية يتقدمها طموح المغامرة والتفرّد.. فها هو الشاعر (مفتاح ميلود) الذي يُعدّ من الأصوات الأبرز في جيله, يدشِّن مدونته الشعرية بمخطوطة (أنفاس) مقترحاً لنصّه تشكيلات لغوية من خامات نثرية خالصة, تلامس بهدوء ورهبة جوهر العلاقة بين شعرية النثر والعالم, على نحو يتعذر فيه العثور على أية إيقاعات من سلالة القافية, غير إننا نقف بإجلال إزاء ذلك النغم المندس, الذي يستمد رنيمه السحريّ من روح الكائنات الكامنة داخل نسيج من الكلمات الحارة والمعاني المطروحة في الطريق.. فيما تستسلم عناصر الطبيعة ومخلوقاتها لآلة المخيلة الجامحة التي تضرم النار في ذرى التوق.. وفي الآن عينه تضيف حواس مبتكرة إلى مناطق القصيدة.. حواس مستنفرة لإيقاظ الجوامد واكتشاف أسماء وأشياء غاية في البداهة كأن هذا الشاعر الشاب وهو يكتب قصيدته ينسج رُقى من رموز وعلامات وألوان, لكي يختزل متاهة الكنز الضائع, بخطى الحدس الشعري, التي كما يبدو تحاول أن تكون واثقة وهي تتقدم برسوخ متمهل, لا تعوزه حيلة اقتفاء اثر اكثر المفردات ضراوة لترويض وحشية النثر في حقل القصيدة.

من هنا كان لابد أن يرضخ الجبل محمولاً بخفّة أنفاس الشعر على أجنحة من كلمات.. ولعل هذه العرفانية المضمرة بإعجاز مخيلة النثر, وبلاغة الصورة النسيجية المتشابكة.. كانت تتحصن بصوفية الشاعر للحلول في الموجودات وتأنيث صلابة الخارج, وأنسنة البرّي, بغية الوصول إلى تلك القرابة الروحية في أعلى درجاتها تجلياً ومعرفة.. حين تتسع بضع كلمات لإيواء الجمال المقدس.

وبالمناسبة ستصدر مجموعة (أنفاس) قريباً ضمن سلسلة كتاب مجلة المؤتمر.. ولعل استمرارية مغامرة قصيدة النثر تحمل رسالة أخرى لشيوخ التقليد من أنصار الخليل للخروج من عتمة الكهف.

صحيفة الجماهيرية.. العدد:3914.. 06/01/2003

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *